![]()
تحولت تلة علي الطاهر في جنوب لبنان إلى جبهة سياسية أيضا، مع تضارب روايتي حزب الله وإسرائيل بشأن من يسيطر على الموقع الذي يشرف على أحد أكثر خطوط المواجهة أهمية.
وكتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، عبر منصة “إكس”: “لقد تغيّرت المعادلة. تلة علي الطاهر التي كنتم تختبئون فيها أصبحت تحت السيطرة الكاملة لقواتنا”.
رسالة من داخل النفق الإرهابي لحزب الشيطان في #مجدل_زون إلى عناصر حزب الله في الجنوب:
لقد تغيّرت المعادلة. تلة علي الطاهر التي كنتم تختبئون فيها أصبحت تحت السيطرة الكاملة لقواتنا.
تفرض قوات جيش الدفاع واقعًا أمنيًا جديدًا يضع حدًا لنفوذ حزب الله في هذه المنطقة الاستراتيجية… pic.twitter.com/YDXruNdpw2
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) June 26, 2026
في المقابل، نفى حزب الله ذلك، مؤكدا أن التلة خالية من أي وجود للجيش الإسرائيلي، وأن مقاتليه “جاهزون للتصدي لأي محاولة تقدم أو توغل”.
وبين الموقفين، يكشف مصدر عسكري لبناني لموقع “الحرة” أن القوات الإسرائيلية تسيطر على محيط التلة حيث تفرض عليها طوقا عسكريا، لكنها لم تصل إلى قمتها، بعدما أوقفت تقدمها مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار الأخير حيز التنفيذ.
ويشير هذا الواقع إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بما جرى ميدانيا، بل أيضا بطريقة توصيفه، فبينما تعتبر إسرائيل أن تطويق الموقع كافٍ لإعلان السيطرة، يتمسك حزب الله بأن التلة لم تسقط عسكريا، ما دامت القوات الإسرائيلية لم تبلغ قمتها.
مرتفعات حاكمة
جاء تقدم القوات الإسرائيلية نحو تلة علي الطاهر الواقعة على بُعد حوالي 10 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية قرب المطلة، استكمالا للمسار الذي بدأ بسيطرة القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف، في إطار عملياتها شمالي نهر الليطاني، قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلنت الولايات المتحدة التوصل إليه، حيز التنفيذ، ضمن الجهود التي قادتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وتقدمت القوات الإسرائيلية، كما يشرح لموقع “الحرة”، الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد فادي داوود “من محيط مجرى نهر الليطاني باتجاه قلعة الشقيف، ومنها فتحت محورين للتقدم شرقا وغربا باتجاه تلة علي الطاهر”، في مسار ينسجم مع طبيعة الأرض ويهدف إلى تطويق الموقع.
ويتفق الكاتب الصحفي أحمد عياش مع هذه القراءة، معتبرا أن تلة علي الطاهر وقلعة الشقيف تشكلان منظومة عسكرية واحدة. ويقول لموقع “الحرة” إن “المعطيات المتوافرة تشير إلى أن العملية جاءت ضمن خطة إسرائيلية استندت إلى معلومات استخباراتية عن البنية العسكرية لحزب الله في منطقة النبطية”.
وتقع تلة علي الطاهر شمالي نهر الليطاني، بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر. وهي جزء من سلسلة مرتفعات تضم تلال علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة.
ويرى عياش أن الوصول إليها يشكل “تطورا عسكريا بارزا في سياق الحرب على حزب الله”، إذ انتقلت العمليات الإسرائيلية إلى منطقة كان التركيز فيها سابقا ينحصر جنوب النهر.
ويختصر المحلل السياسي والعسكري، العميد المتقاعد جوني خلف أهمية الموقع بالقول لموقع “الحرة” إن التلة “من أبرز المرتفعات الحاكمة في جنوب لبنان، لأنها تمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والسيطرة النارية والتأثير في خطوط الإمداد وحركة القوات”. وتؤسس التلة وفق عياش “لسيطرة إسرائيلية أوسع في الجنوب عموما، وفي منطقة النبطية خصوصا.”
صراع قديم جديد
لا تقتصر أهمية هذه التلة على دورها في المعركة الحالية فحسب، بل من تاريخها الممتد في الصراع بين إسرائيل وحزب الله. فخلال فترة السيطرة الإسرائيلية على الشريط الحدودي حتى عام 2000، كان الموقع أحد أبرز التحصينات العسكرية الإسرائيلية، ما جعله هدفا متكررا لعمليات حزب الله قبل الانسحاب الإسرائيلي.
وتكتسب المنطقة بعدا رمزيا أيضا لوجود مقام الولي علي الطاهر، أحد المعالم الدينية المعروفة في الجنوب، وهو ما أضفى على الموقع أهمية تتجاوز قيمته العسكرية.
ولم تغب التلة عن المواجهات اللاحقة، إذ عادت إلى واجهة العمليات خلال حرب عام 2006، قبل أن تستعيد أهميتها مجددا مع التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023.
التلة وما تحتها
إذا كانت تلة علي الطاهر تمنح من يسيطر عليها أفضلية ميدانية، فإن ما قد يفسر الإصرار الإسرائيلي على اقتحامها لا يوجد فوقها فقط، بل في باطنها أيضا. فوفقا لتقديرات إسرائيلية، تخفي التلة واحدة من أكثر البنى العسكرية تعقيدا التي أنشأها حزب الله تحت الأرض.
ويشير تقرير نشره معهد “ألما” الإسرائيلي إلى أن حزب الله شيّد مجمّعا ضخما للبنية التحتية تحت الأرض على مرتفعات علي الطاهر المصنّفة من قبل إسرائيل ضمن الخط الأصفر أي المنطقة الأمنية، وهو يحتوي على غرف قيادة وتحكم تحت الأرض، ومستودعات أسلحة وإمدادات، وعيادات ميدانية، ومنافذ إطلاق مخصصة لإطلاق أنواع مختلفة من الصواريخ.
ويرجح التقرير أن يكون حزب الله قد أنشأ هذا المجمع بمساعدة إيرانية وكورية شمالية، وأنه يُستخدم كمقر رئيسي لوحدة بدر. إلا أن عياش يشدد على أنه “حتى هذه اللحظة، لا توجد معلومات نهائية تؤكد هذا الأمر”.
ويرى عياش أن “ما أعلنته إسرائيل، إلى جانب ما أوردته تقارير إعلامية دولية، يشير إلى أن هذا النفق ليس عاديا بل يشبه مدينة عسكرية متكاملة تحت الأرض، استدعت عملية إنشائها جهدا هائلا، ما يجعلها إحدى أهم البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله.”
ومن هذا المنطلق، يرى داوود أن هذه المعطيات، إذا ثبتت صحتها، قد تفسر سبب إصرار إسرائيل في السيطرة على التلة، رغم أنها تمتلك أفضلية نارية عليها من قلعة الشقيف. ويقول “لو كان الهدف عسكريا بحتا، لكانت السيطرة النارية من الشقيف كافية، أما الإصرار على السيطرة على التلة يشير إلى وجود أهداف تتجاوز قيمتها الميدانية.”
ويتفق خلف مع هذا التقدير، معتبرا أن وجود شبكة أنفاق بهذا الحجم، إذا ثبت، “يمنح حزب الله قدرة على حماية قواته ومنشآته من الضربات الجوية، ويؤمن حرية أكبر في المناورة ونقل الإمدادات وإدارة العمليات بعيدا عن الرصد المباشر”.
ولم تكن شبكة الأنفاق مشروعا ارتبط بهذه التلة وحدها. فعلى مدى سنوات، عمل حزب الله على نقل جزء كبير من بنيته العسكرية إلى ما تحت الأرض. وبذلك، نشأت في جنوب لبنان جغرافيتان متوازيتان: واحدة مرئية، تضم القرى والطرقات والحقول، وأخرى خفية تمتد تحتها.
ومع تصاعد المواجهات، أعلن الجيش الإسرائيلي مرارا اكتشاف وتدمير عدد من الأنفاق والمنشآت العسكرية التابعة لحزب الله. وكان آخرها، الأحد، عندما أعلن تدمير مجمع تحت الأرض في بلدة مجدل زون داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وقال إن النفق، الذي يزيد طوله على 200 متر ويصل عمقه إلى أكثر من 25 مترا، شُيّد “بتكنولوجيا وخبرة إيرانيتين”، وعُثر بداخله على مئات قطع الأسلحة وأربع فوهات إطلاق موجهة نحو إسرائيل.
مئات وسائل قتالية وأربعة آبار إطلاق موجّهة نحو أراضي دولة إسرائيل: تدمير مسار تحت أرضي كُشف عنه في بلدة مجدل زون
قامت قوات فريق القتال التابع للواء 551، إلى جانب قوات وحدة يهلوم، بقيادة الفرقة 91، بتدمير مسار تحت أرضي تم العثور عليه في بلدة مجدل زون، داخل المنطقة الأمنية في… pic.twitter.com/V4e1CG8xAF
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) June 28, 2026
ورغم إعلان إسرائيل أنها دمّرت أجزاء واسعة من شبكة الأنفاق التابعة لحزب الله، ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو هذه البنية بأنها أشبه بـ”البنتاغون” تحت الأرض، فإن حجم ما بقي منها بعيدا عن الاكتشاف لا يزال مجهولا.
وفي ظل استمرار الجدل حول نفق علي الطاهر، يرى عياش أن ما كُشف حتى الآن لا يمثل سوى بداية القصة، ويقول “الكثير سيُكتب لاحقا عنه، منذ نشأته واكتماله وصولا إلى سقوطه، لأننا ما زلنا حتى الآن في بداية حكاية هذا النفق”.