تقارب أم صدام مع تركيا؟ تحركات إيرانية والهدف بلاد الشامتتحرك إيران، في تركيا، على مستويات عدة وعينها على إعادة ترتيب نفوذها في بلاد الشام.

Loading

ما بين جماعات سياسية وشركات وخلايا نائمة وعصابات تنقل أسلحة، تتعدد أوراق النفوذ الإيراني في تركيا، وتتضاعف أهميتها بينما تتحرك طهران لإعادة تثبيت أقدامها في بلاد الشام.

وتزامنا مع توقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تتحرك إيران حاليا على أكثر من صعيد لتحديد علاقاتها الشائكة بالجار التركي.

بادرت طهران مؤخرا، عبر صحافتها الرسمية وشبه الرسمية، إلى انتقاد موقف تركيا المناهض لدورها في سوريا ولبنان، معتبرة أن أنقرة ستكون الخاسر الأكبر إذ تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتساءل أحمد رشيدي نجاد، وهو باحث إيراني في الجغرافيا السياسية، في مقال له على موقع “دبلوماسي إيراني” ذي التوجه الإصلاحي إذا ما كان دعم أنقرة للمعارضة السورية طوال سنوات أدى إلى وضع تركيا، بدلامن الجمهورية الإسلامية، في طليعة المواجهة مع إسرائيل.

وحسب نجاد، يواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كارثة إستراتيجية بعد سقوط الحاجز الذي بنته إيران بين تركيا وإسرائيل على مدار أربعة عقود، إذ تسببت إزاحة الحليف العتيد لطهران (نظام الأسد) في تحول التنافس التاريخي بين تركيا وإسرائيل على الهلال الشيعي إلى مواجهة مباشرة، تدور في فناء أنقرة الخلفي.

ويؤسس ذلك احتمالات لتطورات من نوع آخر، إذ لا يمكن استبعاد نشوب صراعات محدودة، أو بالوكالة، بين طهران وأنقرة. كما أن سيناريو عكسيا يبدو ممكنا، فقد يؤدي شعور تركيا بالحصار إلى دفعها لإعادة صياغة إستراتيجيتها، وصولا إلى التعاون مع خصمها اللدود إيران، وهو تحالف كان بالأمس مستحيلا، لكنه بات اليوم خيارا ممكنا في مواجهة تهديدات مشتركة.

أولويات إيرانية

وبحسب ثلاثة قياديين في المعارضة الإيرانية تحدثوا لـ”الحرة”، تركز إيران الآن على بناء تحالف سياسي وأمني مع تركيا بدلا من مواجهتها مباشرة، وبهدف ضمان عدم تحرك أنقرة في اتجاه دعم الحكومة السورية للعب دور عسكري ضد حزب الله في لبنان.

ويشير المعارضون إلى أن الحرس الثوري، بعدما فقد أغلب نفوذه في سوريا، يعتبر تركيا خط مواجهة مع إسرائيل. وهو مستعد بالتالي لمسايرة أنقرة في سبيل الحفاظ على نفوذه بالأراضي التركية، فضلا عن إعادة ترتيب أوراقه في سوريا ولبنان.

وتمثل تركيا في الوقت نفسه مصدرا اقتصاديا مهما لطهران عبر عمليات التبادل التجاري بين البلدين، إلى جانب وجود شركات إيرانية كثيرة داخل تركيا ينضوي أغلبها تحت الجناح الاقتصادي للحرس الثوري.

وفي المقابل، لا يمكن استبعاد تحرك الحرس الثوري عبر خلاياه النائمة ضد تركيا إذا تحركت الأخيرة ضد النفوذ الإيراني في لبنان، وصولا إلى إثارة قلاقل وتنفيذ عمليات مسلحة.

ولإيران خلايا يمكنها التحرك في تركيا، كما أن فيلق القدس “جناح الحرس الثوري الخارجي” يتخذ بالفعل من الأراضي التركية ممرا لتهريب قطع غيار الطائرات المسيرة والصواريخ إلى لبنان ووجهات أخرى.

زمن أردوغان

​مع صعود حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان إلى السلطة عام 2002، شهدت العلاقات بين البلدين نقطة تحوّل، إذ رحبت إيران بوصول حزب ذي خلفية إسلامية إلى الحكم، وببدء عهد جديد من العلاقات.

ورغم أن العلاقات بين البلدين خلال العقدين الماضيين تعد الأفضل تاريخيا، فقد شهدت أيضا فتورا في مناسبات عدة، خاصة مع اندلاع ثورات الربيع العربي، ودعم أنقرة للقوى المعارضة السورية المناهضة للأسد.

ثم تعرضت العلاقات للتصدع حين نجحت قوى المعارضة السورية بدعم تركي في إسقاط الأسد بنهاية عام 2024، لكن مع هذا لم تصل العلاقات بين البلدين أبدا إلى القطيعة، وحافظا على سياسة إدارة الخلاف بينهما.

ويرى فرزين كرباسي، وهو محلل سياسي كردي إيراني معارض يقيم في إقليم كردستان، أن التقارب بين انقرة وطهران لم يمنعهما من التطلع لبعضهما بنظرة المنافس دائما، بينما استمر الصراع الخفي بينهما دون أن يبلغ مرحلة الاشتعال.

“نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عمل استخباراتيا خلال السنوات الماضية بشكل عميق وكبير في تركيا، ونشر خلاياه السرية حول مواقع إستراتيجية وعسكرية مثل قاعدة “إنجرليك” الجوية، إحدى أهم قواعد حلف الناتو في المنطقة. كما استخدمت هذه الخلايا في تنفيذ عمليات اغتيال واختطاف لمعارضين إيرانيين المقيمين في تركيا”، يضيف كرباسي لـ”الحرة”.

ويرى كرباسي أن أي دور مستقبلي لتركيا في محاربة أذرع إيران ونفوذها في المنطقة، خاصة حزب الله، يضع أنقرة في صدام مباشر مع طهران، وبالتالي ستعتمد طهران في جزء كبير من هذه المواجهة على شبكاتها الاستخباراتية.

ويوضح أن تركيا تدرك ذلك جيدا ولا تريد حاليا مواجهة إيران، لذلك يصعب أن تتحرك أنقرة ضد حزب الله أو النفوذ الإيراني عسكريا بشكل مباشر، أو غير مباشر، عبر سوريا.

سنوات الدم

للنفوذ الإيراني تاريخ دموي في تركيا، فخلال حقبة التسعينيات، نفذت خلايا إيرانية متمثلة بتنظيم “السلام والتوحيد”، وهو تنظيم سري موالٍ للحرس الثوري، سلسلة تفجيرات داخل مدن تركية ودبر عمليات اغتيال استهدفت ناشطين وصحفيين بارزين في تركيا.

وتزامنا مع تلك العمليات، حرك الحرس الثوري تنظيما آخر تابعا له في جنوب شرق تركيا، وهو تنظيم كردي حمل اسم “حزب الله”، تلقى عناصره تدريبات عسكرية واستخباراتية مكثفة على يد ضباط في “فيلق القدس”.

الخبير الإستراتيجي، عامر السبايلة، يلفت إلى إمكانية أن تلجأ إيران عبر شبكاتها الاستخباراتية إلى حرب بالوكالة ضد تركيا، لكنه يشدد على أن طهران تحتاج أنقرة في صفها خلال المرحلة الحالية، بأكثر مما تحتاج إلى الدخول في صدام معها.

“كانت لتركيا مواقف عدة لصالح طهران، إذ وقفت ضد تسليح الأكراد في إيران من قبل الولايات المتحدة، وتبنت موقفا معاديا من إسرائيل، كما ضغطت على الإدارة الأميركية لإيقاف الحرب ضد إيران، وكلها مواقف تصب في ميزان علاقات أفضل مع تركيا، ولذلك يبقى الحفاظ على هذه العلاقات أهم من أي شيء آخر بالنسبة لإيران”، يوضح السبايلة لـ”الحرة”.

ورغم اعتقاده بأن فكرة الاعتماد على سوريا لمحاربة حزب الله داخل لبنان تأتي ضمن خطوات تصعيدية أميركية، الهدف منها تسليط ضغط أكبر على حزب الله وتجريده من سلاحه، يرى السبايلة أنه حتى إذا تحركت سوريا ضد حزب الله، فإن إيران من الصعب أن تصطدم بتركيا، لأنها أي إيران تحتاج إلى تركيا الآن بدرجة أكبر.