![]()
قال سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن إسرائيل لا تنوي البقاء بشكل دائم في جنوب لبنان، لكن أي انسحاب سيعتمد على قدرة الجيش اللبناني على منع حزب الله من العودة إلى المناطق الحدودية.
نحن لا نريد البقاء في جنوب لبنان. ليست لدينا أي رغبة في ذلك. وليس لدينا أي مطالب بهذه الأرض. هذه الأرض تعود إلى لبنان، وليست لحزب الله، وليست لنا. إنها ملك للشعب اللبناني. لكن لكي نعيش بأمان، علينا إبعاد حزب الله.
السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون.
وفي مقابلة حصرية مع برنامج “الدبلوماسي” على شبكة MBN، حذر دانون من أن القوات الإسرائيلية ستتحرك إذا أخفقت الدولة اللبنانية في منع حزب الله من العودة إلى الحدود. وخلال حديثه مع مدير مكتب MBN في واشنطن، جو الخولي، أوضح السفير أن ليس لإسرائيل أي مطالب تتعلق بالأراضي اللبنانية على المدى البعيد، إلا أن انسحابها من هناك مرتبط بقدرة بيروت على إثبات أنها قادرة على تأمين المنطقة.
وقال دانون لبرنامج “الدبلوماسي”: “نحن لا نريد البقاء في جنوب لبنان. ليست لدينا أي رغبة في ذلك. وليس لدينا أي مطالب بهذه الأرض. هذه الأرض تعود إلى لبنان، وليست لحزب الله، وليست لنا. إنها ملك للشعب اللبناني. لكن لكي نعيش بأمان، علينا إبعاد حزب الله”.
وجاء هذا التحذير بعد أيام فقط من توقيع إسرائيل ولبنان، يوم الجمعة 26 يونيو 2026، إطارا أمنيا بوساطة أميركية يهدف إلى إنهاء الحرب الحدودية التي اندلعت في الثاني من مارس. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن هذا الاتفاق الإطاري صُمم لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله، وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها بمجرد إزالة التهديدات القادمة من الأراضي اللبنانية.
ما وراء دراما الساعات الأخيرة
لم يكن الطريق إلى مراسم التوقيع في وزارة الخارجية الأميركية يوم الجمعة سهلا، بل كان محفوفا بالمخاطر. وخلال المقابلة، أشار جو الخولي إلى معلومات حصرية حصلت عليها شبكة MBN من مصدر دبلوماسي لبناني حول الدور الذي لعبته الضغوط السعودية والقطرية في حل الخلافات التي ظهرت في اللحظات الأخيرة قبيل التوصل إلى الاتفاق.
وجاءت هذه الخلافات بعد عدة أيام من التوتر العلني وغير العلني الذي أحاط بالمفاوضات.
أنا أعرف نتنياهو جيدا. رئيس الوزراء نتنياهو لا يتعرض للضغط. إنه يتخذ القرارات الصحيحة لإسرائيل. ويمكنني أن أؤكد لكم أنه ليس الآن فقط، بل منذ فترة طويلة، كان يرغب في رؤية تحرك باتجاه لبنان.
ففي وقت سابق من الأسبوع، وصف السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، المحادثات بأنها “كارثة محققة”، منتقدا ما اعتبره مسؤولون إسرائيليون محاولة لربط الملف اللبناني بالتفاهمات الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي وقت لاحق، أفاد موقع Axios بأن المحادثات تعثرت، الخميس، بسبب الخلاف حول شروط ومواقع الانسحاب الإسرائيلي، قبل أن يتدخل مسؤولون أميركيون كبار لسد الفجوات بين الطرفين. كما أبلغ مصدر دبلوماسي لبناني شبكة MBN أن الضغوط السعودية والقطرية أسهمت أيضا في حل الخلاف، أعقبها اتصال هاتفي من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لكن دانون رفض الإيحاء بأن نتنياهو تعرض لضغوط.
وقال: “أنا أعرف نتنياهو جيدا. رئيس الوزراء نتنياهو لا يتعرض للضغط. إنه يتخذ القرارات الصحيحة لإسرائيل. ويمكنني أن أؤكد لكم أنه ليس الآن فقط، بل منذ فترة طويلة، كان يرغب في رؤية تحرك باتجاه لبنان.
وأكد دانون أن موافقة نتنياهو النهائية جاءت بعد مشاورات وثيقة مع القيادات العسكرية، وليس نتيجة ضغوط من أطراف سياسية خارجية. ومع ذلك، أقر سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة بأن المنطقة شهدت تحركات دبلوماسية مكثفة، وانتقد محاولات بعض القوى الدولية إدخال نفسها في آلية مراقبة الحدود.
وقال: “كانت هناك محادثات في أماكن أخرى حول آليات مختلفة تُشرك دولا عديدة ليست من المنطقة فيما يجري على الأرض. لذلك نحن نفضل أن نتحدث مباشرة مع الولايات المتحدة ولبنان، بدلا من أن تكون هناك، ولن أذكر أسماء تلك الدول، لكن يمكنكم البحث عنها عبر الإنترنت، دول لا تربطها أي علاقة بالمنطقة، وفجأة يُراد لها أن تكون الجهة التي تراقب ما يحدث على الأرض. هذه ليست وصفة للنجاح”.
الرسائل غير المباشرة ودور الولايات المتحدة في المراقبة
يواجه الاتفاق بالفعل اختبارا ميدانيا مباشرا. ففي يوم الأحد، دمرت القوات الإسرائيلية ما قالت إنه نفق تابع لحزب الله يبلغ طوله نحو 200 متر في بلدة مجدل زون الحدودية. وقالت إسرائيل إنها أبلغت الولايات المتحدة مسبقا بالعملية.
من جهته، اعتبر حزب الله أن الهجمات الإسرائيلية تمثل انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار، وقال إنه يراقب ما وصفه بالانتهاكات الإسرائيلية، مع احتفاظه بحق الدفاع عن لبنان وشعبه.
لا نريد أن تبقى قوة اليونيفيل في المنطقة. نريد أن نعمل مباشرة مع الجيش اللبناني. ويجب أن يكون هو الجهة التي تحمي الحدود اللبنانية.
ولأن لبنان يرفض أي اتصال عسكري مباشر مع إسرائيل، يعتمد البلدان على الولايات المتحدة لنقل الرسائل بينهما. وقال دانون إنه خلال الأشهر الماضية أنشأت إسرائيل والولايات المتحدة آلية لإرسال التحذيرات المتعلقة بالتهديدات الأمنية إلى الجانب اللبناني عبر وسطاء أميركيين. وأضاف أن إسرائيل تمتلك خبرة سابقة في هذا النوع من التنسيق خلال أزمات سابقة، لكنها تطمح على المدى البعيد إلى إقامة قنوات اتصال عسكرية مباشرة شبيهة بتلك القائمة بينها وبين مصر والأردن.
كما أوضح أن إسرائيل لا ترغب في أن تبقى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، التي تنتشر على الحدود الجنوبية منذ عام 1978، القوة الأمنية الرئيسية في المنطقة.
وقال: “لا نريد أن تبقى قوة اليونيفيل في المنطقة. نريد أن نعمل مباشرة مع الجيش اللبناني. ويجب أن يكون هو الجهة التي تحمي الحدود اللبنانية”.
من المتوقع أن تضطلع الولايات المتحدة بدور محوري في مراقبة تنفيذ الاتفاق. فقد ذكرت وكالة رويترز أن واشنطن ستتولى تيسير عمل مجموعة التنسيق العسكري، بينما أفاد موقع Axios بأن ضباطا من الجيش الأميركي سيعملون مع الجيش اللبناني في المناطق التجريبية الأولى للتحقق من خلوها من وجود عناصر حزب الله.
ولاستكمال الجوانب اللوجستية، وصل قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر إلى بيروت يوم الاثنين والتقى كوبر بالرئيس اللبناني جوزيف عون وقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لبحث التطورات في لبنان وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق.
وتقوم الآلية الأساسية للاتفاق على ربط انسحاب إسرائيلي تدريجي من المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها قواتها حاليا، بالتحقق من نزع سلاح حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. وبموجب الاتفاق الإطاري، من المقرر أن تتولى القوات المسلحة اللبنانية السيطرة على ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”، على أن تتم متابعة مدى الالتزام بالاتفاق ميدانيًا. وتشمل هذه المناطق، وفق خرائط إسرائيلية نقلتها وكالة رويترز، محيط بلدات فرون وزوطر الغربية والغندورية في جنوب لبنان.
نفضل دائما أن تكون السلطة الفلسطينية هي من يتخذ الإجراءات ضد المتطرفين. والأمر نفسه ينطبق على لبنان.
وعندما سُئل دانون عما إذا كانت هذه الآلية المفتوحة زمنيا قد تعني بقاء عسكريا إسرائيليا غير محدد المدة في حال تعثر العملية، قارن الوضع بالعمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وقال: “نحن نرى أن الوضع مشابه لما هو قائم مع السلطة الفلسطينية. لدينا اتفاقيات معها، وهي تتعامل مع الأنشطة الإرهابية في يهودا والسامرة. لكن إذا كان هناك وضع نعلم فيه أنهم لا يريدون مواجهة حماس، أو ليست لديهم القدرة على اعتقال عناصر حماس، فإننا نقوم بذلك بأنفسنا. لكننا نفضل دائما أن تكون السلطة الفلسطينية هي من يتخذ الإجراءات ضد المتطرفين. والأمر نفسه ينطبق على لبنان”.
وتنص المادة السابعة من الاتفاق على أنه لا يوجد في هذا الإطار ما يمنع أيا من الحكومتين من ممارسة حقها الأصيل في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة. واعتبر دانون أن هذا البند يحفظ لإسرائيل حق التحرك إذا عجز الجيش اللبناني عن منع حزب الله من العودة إلى المنطقة الحدودية.
وقال محذرا: “إذا لم يقوموا بذلك، أو لم يكونوا قادرين على القيام به، فلن نجلس مكتوفي الأيدي وننتظر حتى يعود حزب الله إلى مواقعه ويهاجمنا. سنتخذ الإجراءات اللازمة”.
مواجهة سياسية في بيروت
في الوقت الذي تمضي فيه الآليات الدبلوماسية والعسكرية قدما، أدى الاتفاق إلى تعميق الانقسامات السياسية الحادة داخل لبنان. فقد رحب الرئيس جوزيف عون بالإطار باعتباره خطوة أولى مهمة نحو استعادة سلطة الدولة الكاملة حتى الحدود الدولية، ووجّه الشكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب على دوره في التوصل إليه.
في المقابل، عارض حزب الله وحلفاؤه الاتفاق بشدة. فقد هاجم رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو أحد أبرز حلفاء حزب الله، الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، واصفا إياه بأنه مجموعة من “الإملاءات” التي تمس الحقوق اللبنانية. كما حذر بري من أن إجبار الجيش اللبناني على مواجهة حزب الله ونزع سلاحه يمثل استفزازا متعمدا يهدف إلى إشعال حرب أهلية داخلية.
هناك حالة من الإحباط في طهران لأنها خسرت كثيرا من أوراقها خلال الأشهر القليلة الماضية، وهناك شعور بأنها تفقد سيطرتها على لبنان اليوم. وأعتقد أن ذلك مؤشر جيد.
وسار الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم على النهج نفسه، معلنا أن الاتفاق “باطل ولاغٍ” ويمثل استسلاما كاملا، فيما اعتبر القيادي في الحزب محمود قماطي أن الاتفاق “ميت فعليا منذ لحظة ولادته ” بسبب ما وصفه باستحالة تنفيذ بنوده.
ورفض دانون اعتراضات القوى الموالية لإيران، معتبرا أنها تعكس تحولا في ميزان القوى الإقليمي، مشيرا إلى الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها طهران مؤخرا.
وقال عن القيادة الإيرانية: “إنهم يحاولون فرض إرادتهم. ويحاولون التأثير. لكنهم يفشلون في ذلك. إنهم يشعرون بالإحباط”.
وأضاف: “هناك حالة من الإحباط في طهران لأنها خسرت كثيرا من أوراقها خلال الأشهر القليلة الماضية، وهناك شعور بأنها تفقد سيطرتها على لبنان اليوم. وأعتقد أن ذلك مؤشر جيد”.
الطريق إلى “السياج الطيب“
من وجهة نظر إسرائيل، يجري تقديم هذا الإطار باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع يتبناها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، من خلال توسيع تحالف ما يصفه بالأصوات المعتدلة في مواجهة الوكلاء الإقليميين.
وأعرب دانون عن تطلع بعيد المدى لأن ينضم لبنان يوما ما إلى اتفاقيات إبراهيم إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والمغرب والبحرين، بما يوسع دائرة الاتفاقيات التي تربط إسرائيل بالفعل بكل من مصر والأردن.
ولشرح هذه الرؤية، استعاد دانون ذكرى شخصية من طفولته، حين كان يزور الحدود الإسرائيلية اللبنانية مع والديه. واستحضر فترة كان يُعرف فيها ذلك المعبر محليا باسم “السياج الطيب” بسبب الحركة المنتظمة والتواصل عبر الحدود.
وقال: “أتذكر أننا كنا نسميه ‘السياج الطيب’. ولماذا كان السياج الطيب؟ لأن علاقاتنا كانت جيدة جدا. وكان هناك أشخاص يأتون من لبنان. وأعتقد أننا نستطيع العودة إلى تلك الأيام، أيام التطبيع”. لكنه أضاف: “لكن يجب أولا أن تتأكد من أن المتطرفين لن يسيطروا على الوضع”.