في طريقه إلى مشهد.. جثمان خامنئي يعبر العراق بـ”رسالة سياسية”مصادر عراقية تقول إن توقيت التشييع لا ينفصل عن زيارة مرتقبة لرئيس الحكومة إلى واشنطن، فيما تؤكد أطراف شيعية الطابع الديني للمراسم.

Loading

يستعد العراق لاستقبال جثمان المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي ضمن مراسم تشييع تمتد بين إيران والعراق. ورغم طابعه الديني، يضع تشييع خامنئي حكومة بغداد أمام اختبار سياسي ودبلوماسي دقيق قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو.

فالمراسم التي تقول طهران إنها ستبدأ في العاصمة الإيرانية في السادس من يوليو، قبل نقل الجثمان إلى العراق بعد يومين ثم إعادته إلى مدينة مشهد، تأتي في لحظة يحاول فيها العراق إدارة توازن صعب بين علاقته الوثيقة بإيران وسعيه إلى بناء علاقة أكثر استقرارا مع الولايات المتحدة، بعد أشهر من مقتل خامنئي في ضربة أميركية إسرائيلية نهاية فبراير.

وقال مصدر في مكتب رئيس الحكومة العراقية لـ”الحرة” إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أجرى زيارة سريعة لبغداد الأحد، بحث مع المسؤولين العراقيين جدول التشييع ووجهة النظر الإيرانية بشأنه.

ويعتقد المصدر الحكومي أن طهران أرادت، من خلال تحديد موعد التشييع قبل أيام قليلة من زيارة الزيدي إلى واشنطن، إحراج الحكومة العراقية وتوجيه رسالة مفادها أن العراق “لا يزال ضمن دائرة النفوذ الإيراني”.

ومن المقرر أن يبدأ الزيدي، الذي تولى منصبه في مايو الماضي، زيارة إلى واشنطن في منتصف يوليو.

وزعمت جماعات مرتبطة بالحشد الشعبي، ووسائل إعلام إيرانية إن الحكومة العراقية هي التي طلبت، بالتنسيق مع القوى السياسية، تشييع خامنئي في العراق.

لكن المصدر في مكتب الزيدي قال: “لا أعتقد أن مكتب رئيس الحكومة أو وزارة الخارجية طلبا ذلك”.

وقال مصدر في هيئة الحشد الشعبي، التي تبنت الإعلان عن مراسم التشييع، لـ”الحرة” إن “التشييع في النجف وكربلاء كان طلباً عراقياً، لكنه لم يكن من قبل الحكومة، بل من قبل قيادات في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم”.

وأضاف: “ليست في التشييع أي غاية سياسية، لكنني أعتقد أن القوى التي طلبت أن يكون التشييع في العراق تريد تعزيز دورها في الداخل العراقي وإعادة ترميم علاقتها مع طهران، باعتبارها مصدر قوة لها”.

موقف مرجعية السيستاني

حاولت “الحرة” الوصول إلى مكتب المرجع الديني الأعلى علي السيستاني لمعرفة موقفه، أو موقف المقربين منه، لكنها لم تتمكن من الحصول على رد.

إلا أن مصدرا في الحوزة العلمية في النجف، مقربا من مكتب السيستاني، تحدث عن ثلاثة مسارات تنظر من خلالها مرجعية النجف إلى التشييع.

يتمثل المسار الأول، بحسب المصدر، أن التشييع في العراق يحمل بعدا إنسانيا ومذهبيا، ويتوافق مع مشاعر كثيرين، وأن المرجعية تنظر إلى رغبة الناس ولا تعارضها، أما المسار الثاني، فيرى أن التشييع يحرج الحكومة العراقية، أو الدولة بشكل عام، لأنه قد يعطي انطباعا بأن العراق يقف في المسار نفسه مع إيران في أي قضية، وهو أمر يقول المصدر إنه “غير صحيح”.

ويتعلق المسار الثالث بموقف مرجعية السيستاني تحديداً، وفقاً لتاريخها. إذ يرى المصدر أن التشييع قد يُقرأ باعتباره محاولة إيرانية لإثبات تبعية شيعة العراق لها، وهو ما ترفضه مرجعية النجف. كما قد يبدو، بحسب المصدر نفسه، وكأنه يمحو جهود المرجعية خلال العقود الماضية للفصل بين حوزتي النجف وقم.

توقيت حرج

وتواجه الحكومة العراقية تحديا دبلوماسيا يتمثل في إدارة الحدث من دون الإخلال بسياسة التوازن التي تتبعها في علاقاتها الخارجية، خصوصاً في ظل سعي بغداد إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع كل من طهران وواشنطن.

ويقول الكاتب أحمد الشيخ ماجد لـ”الحرة” إن “الاستثمار الديني متداخل في الشأن السياسي، والأبعاد السياسية لا تقتصر على العراق فقط، وإنما تشمل الداخل الإيراني أيضاً، بما للعتبات المقدسة في العراق من تأثير هناك”.

ويضيف: “بالنسبة للرسائل الإقليمية والدول الكبرى، يمكن الإشارة إلى استمرار التأثير الإيراني على العراق من خلال تشييع خامنئي، وأن إيران تريد القول بأنها لم تضعف في العراق مثلما ضعفت في لبنان وسوريا”.

كما تبرز مخاوف من استغلال التجمعات الجماهيرية لإطلاق مواقف أو شعارات سياسية قد تضع الحكومة في موقف حرج، الأمر الذي يجعل التنظيم الأمني والإداري للمراسم جزءاً من اختبار قدرة الدولة على إدارة حدث إقليمي واسع داخل أراضيها.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، مصطفى الناجي، لـ”الحرة” إن “النفوذ الإيراني في العراق شيء طبيعي بحكم الجغرافيا والعقيدة والمصالح، ومراسم التشييع لرجل يعد مرجعاً دينياً وقائداً ينظر إليه على أنه مقاوم للوجودين الإسرائيلي والأميركي، هي شيء طبيعي أيضاً، ولا حساسية من هذا الموقف لدى الشيعة في العراق”.

ويضيف: “في الوقت ذاته، ربما يشكل هذا الموقف إحراجا للحكومة التي تريد النأي بنفسها عن الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران”.

تفاصيل برنامج التشييع

وحصلت “الحرة” على معلومات تفيد بأن الزيدي أصدر أمراً ديوانياً بتكليف اللجنة المسؤولة عن الزيارة الأربعينية بتنظيم مراسم تشييع جثمان خامنئي.

وسيحضر التشييع، وفقاً لمعلومات “الحرة”، الرئيس العراقي نزار آميدي، ورئيس الحكومة علي الزيدي، بالإضافة إلى قيادات سياسية شيعية وسنية وكردية، ورجال دين وشخصيات من مكونات أخرى.

ولم يُعرف بعد حجم التشييع أو الأعداد المتوقعة للمشاركين، لكن الحكومة العراقية اتخذت إجراءات واسعة لتأمينه وتوفير متطلباته.

ووفق البرنامج المعلن من السلطات الإيرانية، خُصص يوم الثامن من يوليو 2026 لإقامة المراسم في محافظة النجف، حيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب، ثم التوجه إلى كربلاء حيث مرقدا الإمام الحسين بن علي وأخيه العباس.

وقال مصدر في السفارة الإيرانية في بغداد لـ”الحرة” إن الجثمان سينقل إلى مطار النجف الدولي، قبل أن ينطلق موكب رسمي وشعبي نحو مرقد الإمام علي لإقامة مراسم الزيارة والصلاة، ثم يتوجه إلى مدينة كربلاء لإحياء مراسم مماثلة في العتبتين الحسينية والعباسية، على أن يُعاد الجثمان إلى إيران في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، تمهيداً لإتمام مراسم الدفن في مدينة مشهد.

ورجح المصدر إمكانية أن يصل الجثمان إلى بغداد لتشييعه في مرقد الإمامين الكاظمين شمالي العاصمة، لكنه قال إن هذا المسار لم يُقرر بشكل نهائي بعد.

وأضاف: “سيجري الاستقبال الرسمي في مطار النجف في الساعة العاشرة صباحاً ولمدة ساعة، ثم يبدأ التشييع الشعبي في النجف. بعد ذلك، يُنقل الجثمان إلى كربلاء حيث مرقدا الإمام الحسين وأخيه العباس”.

وبحسب المصدر، فإن عملية نقل الجثمان بين النجف وكربلاء ستكون بالطائرة، على أن يستمر التشييع في كربلاء حتى الساعة العاشرة ليلا.