الأسد في المنفى.. من البراميل المتفجرة إلى المللبعد عقود من الحكم المطلق وحرب دمّرت معظم سوريا، تحوّل منفى بشار الأسد إلى مواجهة هادئة مع الواقع: لا جيش، ولا قصر، ولا شيء تقريبًا سوى الذكريات والمرارة والروتين.

Loading

في منفاه بروسيا، لم يقدّم بشار الأسد سوى القليل من الإشارات التي تكشف كيف يفهم سقوطه: هل يراه هزيمة؟ أم خيانة؟ أم الثمن الطبيعي لحكم تأسس على الخوف؟

وتشير التقارير إلى أن الأسد يعيش حياة منعزلة في روسيا، بعيدًا عن الكاميرات والقصور وآلة الترهيب التي أبقت نظامه قائمًا لأكثر من عقدين.

ولا تزال الروايات بشأن رويتنه اليومي بعد خروجه من السلطة صعبة التحقق. فبعضها يصوره شخصًا منغلقًا على نفسه، يقضي وقته في ألعاب الهاتف المحمول، وربما عاد إلى اهتمامه المهني القديم بطب العيون.

وبالنسبة لرجل كان في قلب واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين، تبدو هذه الصورة غريبة لكنها كاشفة أيضًا. فالأسد لم يفقد منصبه فحسب، بل فقد بلده بأكمله. وانتقل إلى أحد أكثر أشكال البطالة ندرة: التقاعد من السلطة المطلقة.

وهذه هي النهاية الغريبة التي يواجهها كثير من الحكام المستبدين بعد سقوطهم. فبعضهم يُعدم أو يُسجن أو يُحاكم، بينما ينجو آخرون إلى المنفى، حيث يحاولون ملء أيامهم بالهوايات والمرارة والرفاهية والحنين ونظريات الخيانة. والسؤال لا يقتصر على كيفية عيشهم بعد السلطة، بل يمتد إلى الطريقة التي يفسرون بها خسارتها.

أما في حالة الأسد، فما زالت الإجابة غائبة. فقد يكون صمته محسوبًا، أو مفروضًا عليه، أو مجرد امتداد لطبعه المعتاد. لكن منفاه يثير سؤالًا لازم كثيرًا من الحكام الذين سقطوا قبله: هل يرى أن نهايته كانت نتيجة وحشيته وسوء إدارته، أم نتيجة تخلي حلفائه عنه بعدما لم يعد يستحق كلفة دعمه؟

وتتميز حالة الأسد في جانب واحد؛ فهو من بين قلة من الحكام الذين أطيح بهم في القرن الحادي والعشرين وتمكنوا من تجنب الإعدام أو السجن أو التسليم إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لكنه ليس الوحيد الذي وجد نفسه أمام روتين غريب بعد انهيار حكم قام على الإرهاب.

فقد قيل إن عيدي أمين، حاكم أوغندا سيئ السمعة الذي ارتبط اسمه بوحشية بالغة وادعاءات متكررة عن أكل لحوم البشر، أصبح مهووسًا بالفواكه، ومدمنًا على وجبات كنتاكي المقلية، بل وتعلم العزف على الأكورديون. أما عائلة ماركوس في الفلبين، التي ارتبط اسمها بالبذخ الممول عبر منظومة واسعة من الفساد، والذي جسدته على نحو شهير مجموعة أحذية إيميلدا ماركوس، فقد عاشت حياة مريحة في هاواي، وكانت من الزبائن الدائمين لمتاجر هونولولو الفاخرة. وفي المقابل، عاش رئيس هايتي السابق جان كلود “بيبي دوك” دوفالييه حياة مترفة في منفاه الأول على الريفييرا الفرنسية قبل أن يفقد جانبًا كبيرًا من ثروته في طلاق مرير، بينما واصلت زوجته السابقة حياتها المريحة في سويسرا.

وربما كان أكثر المنافي ابتذالًا بين الحكام المستبدين من نصيب الملك فاروق في مصر. فبعد أن أطاح به الضباط الأحرار ونُفي إلى إيطاليا، قيل إنه غادر مصر باكيًا، لكنه سرعان ما تخلى عن أي محاولة جادة لاستعادة العرش. وهناك، تعززت سمعته كرجل عاشق للملذات، حتى لُقب بـ”ملك الليل”، وقيل إنه كان يحفظ أسماء بائعات الهوى في روما. كما واصل شغفه بالاقتناء، فجمع العملات والطوابع والساعات والمجوهرات، والأشهر من ذلك كله المواد الإباحية.

وقد تجعل هذه التفاصيل المنفى يبدو أقرب إلى مشهد هزلي. لكن بالنسبة لكثير من الحكام المستبدين، لم تكن الحياة بعد السلطة مجرد فترة من الترف أو السلوك الغريب، بل اتسمت أيضًا بإحساس عميق بالخيانة.

وفي مقابلة مع قناة “الحرة”، قال الصحفي والكاتب ريكاردو أوريزيو، مؤلف كتاب “حديث الشيطان”، إن كثيرًا من الحكام المستبدين الذين أُطيح بهم كانوا يعتقدون أنهم خدموا القوى الكبرى أولًا، ثم تخلت عنهم عندما أصبحوا عبئًا.

وقال أوريزيو: “كانوا يدركون أنهم استُخدموا أولًا ثم أُطيح بهم. لقد فعلوا ما كان يخدم مصالح القوى الكبرى، إلى أن لم يعد ذلك مفيدًا. وفجأة، اكتشفت القوى التي كانت تحمينا أننا ديكتاتوريون.”

وكان جان بيديل بوكاسا، حاكم جمهورية إفريقيا الوسطى الذي غذّت أوهام العظمة لديه صورةً لنفسه باعتباره نابليون جديدًا، من أكثر من شعروا بهذا الإحساس بالخيانة تجاه فرنسا. وأشار أوريزيو إلى أن صعود بوكاسا ارتبط ارتباطًا وثيقًا بباريس؛ فقد خدم في الجيش الفرنسي، وقاتل إلى جانب فرنسا في آسيا وخلال الحرب العالمية الثانية، وحضر جنازة الرئيس جورج بومبيدو، كما ربطته علاقات وثيقة بالرئيس فاليري جيسكار ديستان.

ثم، فجأة، أطاحت به فرنسا.

وقال أوريزيو: “أصبح بوكاسا رئيسًا لجمهورية إفريقيا الوسطى لأن القرار اتُّخذ في باريس. ثم فجأة قررت فرنسا الإطاحة به. ومن الطبيعي أن يشعر بالخيانة.”

وقضى بوكاسا جانبًا كبيرًا من منفاه وهو يقدم نفسه باعتباره جنديًا فرنسيًا سابقًا تخلت عنه بلاده، وكان يشكو من أنه بعد عقود من الخدمة لفرنسا لم يتبقَّ له سوى معاش ضابط متواضع لا يكفيه.

وهذا الشعور بالتخلي يعيدنا مجددًا إلى بشار الأسد.

لقد اعتمد بقاء الأسد في السلطة إلى حد كبير على القوة الجوية الروسية، وعلى شبكة الميليشيات والمستشارين والتمويل التي وفرتها إيران. لكن كلا العلاقتين كانتا في نهاية المطاف قائمتين على تبادل المصالح. فقد ساعدت موسكو في إنقاذ نظامه عندما كان ذلك يخدم مصالحها، ثم استنزفت الحرب في أوكرانيا لاحقًا اهتمامها ومواردها. أما إيران، فقد ساعدت في الحفاظ على حكم الأسد لسنوات، لكنها لم تنقذه في اللحظة التي انهارت فيها الدولة السورية أخيرًا.

ومن هنا يبرز السؤال : ليس ما إذا كان الأسد يشعر بالخيانة فحسب، بل ما إذا كان يعتقد أن حلفاءه تخلوا عنه، أم أنهم استخدموه إلى أن انتهت فائدته بالنسبة لهم. فهل ينظر إلى تعامل روسيا مع السلطات السورية الجديدة باعتباره ضرورة براغماتية، أم يراه إهانة شخصية؟ وهل يعتبر إحجام إيران عن التدخل الحاسم دليلًا على أن ولاءها كان له حدود؟

أم أنه، مثل كثير من الحكام الذين سقطوا قبله، ما زال يفسر سقوطه لا باعتباره نتيجة لطريقة حكمه، بل باعتباره ثمرة خيانة خارجية؟

وبالنظر إلى السرية التي تحيط بالأسد وعزلته، فقد لا تُعرف الإجابة أبدًا. فعلى خلاف بعض الحكام المنفيين الذين أمضوا سنواتهم الأخيرة في مهاجمة رعاتهم السابقين، لم يقدم الأسد سوى القليل من الإشارات العلنية التي توضح كيف يفسر انهياره. لكن صمته يترك وراءه أحد أكبر ألغاز منفاه: هل يرى نفسه طاغية مهزومًا، أم حليفًا جرى الاستغناء عنه، أم ضحية لحلفاء أنقذوه فقط إلى أن أصبح إنقاذه عبئًا لم يعودوا مستعدين لتحمله؟