حديث المدينة | عثمان ميرغني يكتب: عقلية التخطيط وعقلية التنفيذ

Loading

 الثلاثاء 7 يوليو 2026

لبناء خطة استراتيجية ناضجة وحاكمة، لا بد من فصل خبراء التخطيط عن التنفيذ، ليس فصلاً إدارياً فحسب، بل وفصلاً مفاهيمياً واضحاً؛ فعقلية التخطيط تختلف عن عقلية التنفيذ. عقلية التخطيط تُبنى على “الآمال”، بينما عقلية التنفيذ تواجه “الآلام”.

المخطِّط الاستراتيجي مطلوب منه تحويل الآمال والطموحات الشعبية إلى برامج ومشروعات مستقبلية. أما عقلية “التنفيذ” فهي دائماً مجابهة بالتحديات والمخاطر، بصورة تجعلها مقيَّدة بالواقع لا بالأحلام.

ويمتد هذا الفصل إلى ترسيم الحدود الفاصلة بين “صنع السياسات” (Policy Making) و”تنفيذ السياسات” (Policy Implementation).

لنأخذ مثالاً على ذلك: استنباط خطة استراتيجية بعيدة المدى للطاقة الكهربائية في السودان يتطلب رؤية شاملة للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، بل والجيوسياسية (Geopolitical)، لأن المنظور الأبعد لا يتوقف عند سد حاجة البلاد من الطاقة الكهربائية، بل يتجاوز ذلك إلى إمكانية تصديرها إلى الخارج أيضاً. ومثل هذه الخطة لن تنتجها عقول مرهقة بمعطيات الحاضر وتضاريسه، خاصة مع الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.

المنفِّذون على الأرض يميلون إلى تحقيق الانتصارات السريعة التي ترفع الشعبية وتمنح استحقاق “نجمة الإنجاز”، لكن المخططين الاستراتيجيين لا ينظرون إلى الأهداف القريبة والانتصارات السريعة، بل إلى فضاء ممتد يغيِّر المعادلات القائمة حالياً ليصنع واقعاً جديداً، ربما يتطلب إعادة هندسة الخطة الاستراتيجية وفقاً للتطور والتقدم على الأرض في تنفيذها.

في قطار المستقبل، ينظر الخبراء الاستراتيجيون إلى سرعة القطار واتجاهه وانتظام حركته نحو الهدف المنشود، بينما تقع أعين خبراء التنفيذ من نافذة القطار على اللافتات التي تحمل أسماء المحطات، دون أن يمتد بصرهم وبصيرتهم إلى المقاصد المستهدفة البعيدة.