صحفيو السودان يستعيدون دفء «شارع الجرائد»

صحفيو السودان يستعيدون دفء «شارع الجرائد»

Loading

الخرطوم  ـ  النورس نيوز

في مكان كان لعقود مسرحاً للحكايات الصحفية والسباقات خلف الأخبار، عاد عدد من الصحفيين السودانيين إلى «شارع الجرائد» في قلب الخرطوم، لكن هذه المرة لملاحقة ذاكرة مهنة أنهكتها الحرب، لا بحثاً عن سبق صحفي.صحفيو السودان يستعيدون دفء «شارع الجرائد»

وبين رائحة الفحم المتصاعد من وجبة «شية الجمر» وأحاديث الأمس عن المطابع وغرف الأخبار، اجتمع صحفيون للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في لقاء ودي أعاد شيئاً من دفء الزمالة التي طبعت الحياة الصحفية في العاصمة قبل أن تتبدل المشاهد بالدمار والنزوح.

انعقد اللقاء بالقرب من بائعة الشاي ابتسام داؤود حامد، المعروفة وسط الصحفيين بلقب «وارغو»، في موقعها المعتاد بشارع البرلمان، أحد الأماكن التي ارتبط اسمها بذاكرة العاملين في الصحافة السودانية.

هناك، لم تكن الأحاديث عن العناوين العاجلة أو البيانات الرسمية، بل عن زمن كانت فيه الأرصفة القريبة من الصحف مراكز مفتوحة للنقاش، يتبادل فيها الصحفيون الأخبار والمعلومات، ويتنافسون على الوصول إلى القصة الأكثر تأثيراً.

وقال مشاركون إن اللقاء أعاد إلى الأذهان مرحلة كانت فيها الصحافة أكثر من مجرد مهنة؛ إذ شكلت مجتمعاً صغيراً له طقوسه وصداقاته ومفرداته الخاصة، قبل أن تضرب الحرب مؤسسات إعلامية عدة وتدفع أعداداً كبيرة من الصحفيين إلى خارج البلاد أو إلى مهن أخرى.

ذاكرة شارع لم يمت

كان «شارع الجرائد» اسماً يحمل دلالة خاصة لدى الصحفيين السودانيين، باعتباره المكان الذي تتقاطع فيه المطابع مع مكاتب الصحف ومصادر الأخبار، حيث كانت تبدأ يوميات البحث عن العناوين الكبرى.

ويقول صحفيون إن عودة اللقاءات الاجتماعية بين أبناء المهنة تمثل محاولة للحفاظ على ما تبقى من روح الصحافة، في وقت تواجه فيه المؤسسات الإعلامية تحديات غير مسبوقة بسبب آثار الحرب والانهيار الاقتصادي.

وخلال اللقاء، استعاد الحاضرون قصصاً عن المنافسة المهنية، واللقاءات مع المصادر، واللحظات التي كانت تسبق صدور الصحف اليومية، حين كان الحصول على خبر حصري يمثل سباقاً بين غرف التحرير.

لكن خلف أجواء الحنين، حضرت مرارة الواقع الحالي، بعدما فقدت الصحافة السودانية جزءاً كبيراً من بنيتها التقليدية، مع توقف الصحف الورقية وتضرر مقار مؤسسات إعلامية وتراجع فرص العمل في القطاع.

 صحافة تبحث عن طريق العودة

ويأتي اللقاء في وقت لا تزال فيه الصحافة الورقية السودانية تواجه سؤال العودة بعد توقف طويل بسبب الحرب.

ويرى صحفيون وناشرون أن استعادة الصحافة لعافيتها تحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل المطابع، إذ تتطلب إعادة بناء صناعة كاملة تشمل التمويل، والتوزيع، وتأهيل المؤسسات، في ظل تغير كبير في سلوك الجمهور الذي اتجه خلال سنوات الحرب إلى المنصات الرقمية.

ويعتقد مراقبون أن مستقبل الصحافة السودانية قد يتجه إلى نموذج هجين يجمع بين المنصات الإلكترونية وإصدارات ورقية محدودة، مع الحفاظ على الدور المهني للصحفيين في مواجهة انتشار الشائعات والمعلومات غير الموثوقة.

 «وارغو».. شاهدة على زمن الصحافة

لم يكن اختيار مكان اللقاء عابراً؛ فـ«وارغو» ظلت لسنوات طويلة جزءاً من المشهد اليومي للصحفيين، تستقبل العاملين في المؤسسات الإعلامية القريبة وتشاركهم تفاصيل يومياتهم خارج غرف التحرير.

وفي ختام اللقاء، دعا الصحفيون إلى دعمها ومساندتها تقديراً لعلاقتها الطويلة بالمجتمع الصحفي، ووفائها لعشرات الصحفيين الذين مروا من المكان عبر سنوات طويلة.

كما اتفق المشاركون على تنظيم لقاء شهري يجمع الصحفيين، بهدف تعزيز التواصل وتوثيق ذاكرة المهنة التي تواجه واحدة من أصعب مراحلها.

وبينما كانت نيران الفحم تنطفئ في نهاية اللقاء، بقي السؤال مفتوحاً: هل يكون هذا الاجتماع مجرد استعادة عابرة للماضي، أم بداية لعودة روح الصحافة السودانية إلى شوارع الخرطوم من جديد؟