حرب إيران تعيد تشكيل الخليج العربيأحدثت الحرب في إيران تحولاً جذرياً في الدول العربية الست المطلة على الخليج.

حرب إيران تعيد تشكيل الخليج العربيأحدثت الحرب في إيران تحولاً جذرياً في الدول العربية الست المطلة على الخليج.

Loading

بالنسبة للدول العربية الخليجية، بدأت الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران بوعد إسقاط نظام اعتبرته عدواً لعقود طويلة.

وبعد ثلاثة أشهر، لم ينجُ النظام الديني الشيعي في طهران من الحرب فحسب رغم ما لحق به من أضرار، بل بدأ يخرج منها أكثر جرأة وقد يكون أكثر ثراءً أيضاً.

أطلقت طهران آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه الملكيات العربية السنية الست في الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وغربية. كما خنقت اقتصادات السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان، التي تعتمد على مبيعات النفط والغاز ومشتقاتهما وتُقدّر قيمتها بنحو 2.3 تريليون دولار، عبر إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لهذه الدول الغنية بالطاقة ولخُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

وتوفر مذكرة التفاهم التي وُقّعت الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإيران خريطة طريق نحو تسوية تفاوضية بين الطرفين. لكنها لا تتطرق إلى المخاوف الأمنية الرئيسية لمجلس التعاون الخليجي، وهو التكتل الإقليمي الأمني والسياسي والاقتصادي.

ويرى مسؤولون سابقون ومحللون أن دول الخليج ستتبنى عدداً من الاستراتيجيات الجديدة لحماية نفسها. ومن المرجح أنها تتكيف مع واقع العيش إلى جانب قوة إيرانية متنامية، مع تخصيص موارد أكبر للدفاع، في وقت تتعرض فيه وحدتها الهشة لمزيد من التآكل.

وقال غريغوري غاوس، الخبير في شؤون الخليج لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن: «ستشعر دول الخليج بخيبة أمل لأن هذه الحرب لم تحقق أياً من الأهداف التي أعلنت الإدارة الأميركية أنها تسعى إليها عند انطلاقها».

وأضاف: «لقد أبقت إيران في موقع يتيح لها تهديد تلك الدول مجدداً، وممارسة نوع من السيطرة على مضيق هرمز».

وأشار غاوس إلى أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا تُلزم طهران بضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، قائلاً: «أعتقد أن ذلك سيكون مخيباً للآمال للغاية بالنسبة لدول الخليج».

التكيّف مع إيران

مع ذلك، يبدو أن دول الخليج تتفاوض بشكل منفرد مع طهران. ففي مقابلة نشرتها صحيفة فايننشال تايمز في 24 يونيو، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن دول الخليج تعمل مع إيران على إطار أمني إقليمي.

وأضاف: «نأمل أن يقود ذلك مستقبلاً إلى تعاون اقتصادي بيننا جميعاً، بما يعيد الاستقرار إلى المنطقة».

وقال جواد بهجت، أستاذ شؤون الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني بواشنطن، إن دول الخليج ستشعر بالارتياح إزاء احتمالات انتهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف: «لا يمكن تجاهل الجغرافيا»، في إشارة إلى دول الخليج. «فهي مضطرة للتعامل مع إيران لأنها لن تختفي من مكانها».

حرب إيران تعيد تشكيل الخليج العربيأحدثت الحرب في إيران تحولاً جذرياً في الدول العربية الست المطلة على الخليج.
سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم في سلطنة عُمان، 18 يونيو 2026. رويترز/مصور متعاون/صورة أرشيفية

وتابع أن تلك الدول ستُجبر الآن على تبني مقاربة جديدة تجاه طهران، التي طالما اتهمتها بتقويض أمنها عبر حلفائها الشيعة المسلحين المنتشرين في أنحاء الشرق الأوسط، وعبر نهجها العسكري المتشدد في مياه الخليج المشتركة.

ولفت بهجت إلى أنه، خلافاً لأزمات سابقة، لم تُقدم الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على خفض أو قطع علاقاتها مع إيران خلال الحرب.

وقال: «حتى بينما كانت إيران تهاجمها، أبقت هذه الدول القنوات الدبلوماسية مفتوحة، لأنها تعلم أن اليوم التالي للحرب سيجبرها وإيران على التعايش معاً».

وكانت السعودية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بعد اقتحام السفارة السعودية في طهران في يناير 2016، ما دفع بعض دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى إلى خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع طهران. إلا أن وساطة صينية أعادت العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض عام 2023، الأمر الذي أفضى إلى درجة من المصالحة الأوسع بين الدولتين اللتين تمثلان عالمي الإسلام الشيعي والسني.

ويرى ديفيد دي روش، الأستاذ في معهد ثاير مارشال بواشنطن، أن دول الخليج تواجه الآن «لحظة فارقة للغاية»، بعدما بات واضحاً أن جهودها لاسترضاء إيران عبر العلاقات التجارية والثقافية لم تحمها من هجماتها.

وأشار إلى أن طهران استهدفت الإمارات رغم أهمية الدولة الخليجية بوصفها منفذاً رئيسياً للتجارة والاستثمارات الإيرانية الدولية.

وقال دي روش لشبكة الشرق الأوسط للإرسال(MBN) :  «إيران لم تعد مجرد جار، بل أصبحت تهديداً»، مضيفاً أن العواصم الخليجية تعمل الآن بجد لتحديد كيفية التعامل مع هذا التهديد.

وأضاف: «إلى أن تشعر بالثقة في قدرتك على مواجهة التهديد وهزيمته، فإنك تميل إلى التكيف معه».

الموازنة والتحوّط

يقول غاوس إن دول الخليج ستُبقي على شراكتها الأمنية القوية مع الولايات المتحدة لأنها لا تملك بديلاً عملياً عنها.

لكنها في الوقت نفسه ستسعى إلى تعزيز قدرتها على الصمود من خلال تطوير علاقات أمنية جديدة مع مجموعة متنوعة من الدول، من بينها إسرائيل ودول أوروبية وشرق آسيوية وجنوب آسيوية. كما أن المنطقة تعزز بالفعل علاقاتها العسكرية مع تركيا.

وقال: «لن يكون الأمر تخلياً عن الولايات المتحدة، بل نوعاً من التحوّط».

من جانبه، يرى بيير كاميلو فالاسكا، مدير شؤون السياسات في مركز المعلومات الأوروبي الخليجي في روما، أن دول الخليج بدأت تشكك في النموذج التقليدي القائم على الاحتماء بالمظلة الأمنية الأميركية وضماناتها الأمنية.

وقال: «على غرار الدول الأوروبية، بدأت تفكر بأن المظلة الأميركية ليست أمراً يمكن اعتباره مضموناً إلى الأبد».

MBN Alhurra

أجندة MBN

نشرة أسبوعية تقدّم رؤى وتحليلات من داخل دوائر واشنطن حول قضايا الشرق الأوسط.

وكان يشير بذلك إلى النقاشات المتنامية بين دول الخليج حول تنويع الشراكات الدفاعية في أعقاب الحرب. فبعد أن قلّصت إدارة ترامب مساعداتها لأوكرانيا، سارعت الدول الأوروبية إلى زيادة دعمها لكييف في مواجهة روسيا.

واستشهد فالاسكا بأوكرانيا كمثال على كيفية سعي دول الخليج إلى استكشاف مسارات جديدة لمعالجة نقاط ضعفها الأمنية.

ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تتعرض لهجمات متواصلة بالطائرات المسيّرة الإيرانية خلال شهري مارس وأبريل، أبرمت السعودية والإمارات وقطر اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد ومنفصلة مع كييف، سعياً للاستفادة من خبرتها وتقنياتها الحربية في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية.

وخلال السنوات الأربع الأولى من الحرب، أطلقت موسكو أكثر من 55 ألف طائرة مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد» ضد أوكرانيا.

وقال فالاسكا: «تدرك دول الخليج أن التعاون مع الدولة التي تمتلك أكثر تقنيات الطائرات المسيّرة تقدماً أمر بالغ الأهمية لمستقبلها».

ويشير بهجت إلى أن دول الخليج تعمّق أيضاً علاقاتها الدفاعية مع الصين والهند وباكستان وتركيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى تنويع التعاون الأمني استعداداً لمستقبل يتسم بعدم اليقين.

وقال: «ستحاول تنويع تعاونها الأمني. لكنها في الوقت نفسه ستعمّق تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة. ليس لديها خيار آخر».

ويتفق دي روش، المدير السابق لشؤون الخليج والجزيرة العربية في مكتب وزير الدفاع الأميركي، مع هذا الرأي.

دخان يتصاعد من ميناء جبل علي إثر هجوم إيراني، عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 1 مارس 2026. رويترز/راغد واكد/صورة أرشيفية

ويقول إنه رغم احتمال سعي دول الخليج إلى شراء أسلحة أو تعزيز علاقاتها الدفاعية مع دول في أوروبا وآسيا، فإن أياً منها لا يستطيع أن يحل محل الولايات المتحدة.

وأضاف: «الدولة الوحيدة القادرة فعلياً على الانتشار السريع للدفاع عن السيادة الوطنية هي الولايات المتحدة».

وتابع: «على الأقل في المدى القصير، لا تزال دول الخليج مرتبطة بهذا الواقع».

فعلى مدى ما يقرب من خمسة عقود، ظلت واشنطن المزود الأمني الرئيسي لمنطقة الخليج. وقد نجحت في دحر الغزو العراقي للكويت عام 1991، كما وفرت الحماية لاحتياطيات المنطقة من النفط والغاز، ولممراتها البحرية، ومدنها المزدهرة.

وقال دي روش: «في نهاية المطاف، تدرك هذه الدول أنه إذا تحولت الأمور إلى مواجهة حقيقية، فسيتعين عليها القتال ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة».

وأضاف: «إنها تريد أن تكون متوافقة قدر الإمكان مع هذا التحالف، وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي امتلاك معدات أميركية».

بيت منقسم

مع ذلك، يرى محللون أن دول الخليج بعيدة عن تشكيل جبهة موحدة واحدة.

فقد أدى تداعيات الحرب مع إيران إلى تعميق الخلافات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ودفعهم إلى انتهاج مسارات متباينة.

ويقول بهجت إن الإمارات من المرجح أن تعزز تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ففي ظل تدهور علاقاتها مع السعودية، القوة الإقليمية الكبرى، أقامت أبو ظبي علاقات أمنية وثيقة مع إسرائيل، التي أفادت تقارير بأنها نشرت معدات مضادة للصواريخ وقوات عسكرية لحماية الدولة من الهجمات الإيرانية.

في المقابل، لا تزال السعودية مترددة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو ما يتجلى في استمرار إحجام الرياض عن الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.

وكانت الإمارات والبحرين قد أقامتا علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020 خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.

وقال بهجت: «السعودية هي أهم دولة عربية بسبب مكانتها الإسلامية»، في إشارة إلى المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتين تمنحان الرياض دوراً سياسياً قيادياً في العالم الإسلامي.

أما سلطنة عمان وقطر فقد اختارتا المسار الدبلوماسي.

فقد انضمت الدوحة إلى إسلام آباد في رعاية الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب، بينما تشارك مسقط طهران في مناقشات حول كيفية إدارة الملاحة في مضيق هرمز.

وكانت سلطنة عمان قد أدت سابقاً أدوار وساطة بين طهران وواشنطن.

وقال بهجت: «لن أفاجأ إذا انهار مجلس التعاون الخليجي».

وأضاف: «لدى أعضائه سياسات مختلفة جداً الآن، ولا أعلم إلى متى يمكن أن يستمر كمنظمة واحدة».

لكن فالاسكا يتوقع أن تؤدي عجز دول الخليج عن التعامل منفردة مع القوة الإيرانية إلى توحيد صفوفها في نهاية المطاف.

وقال: «لقد بدأت تدرك أن التعاون أمر حاسم لمستقبلها».