![]()
لسنوات طويلة، كان يكفي أن يجتمع وزراء نفط منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” في فيينا ويتخذوا قراراً بخفض الإنتاج أو زيادته، لتهتز أسواق المال وتتغير أسعار الوقود من نيويورك إلى طوكيو. لكن اليوم، تعيش المنظمة العريقة واقعاً مختلفاً يضع دورها التاريخي ونفوذها العالمي تحت اختبار حقيقي لم تشهده من قبل، نتيجة الحروب في منطقة الشرق الأوسط والانسحابات المتتالية لبعض أعضائها البارزين.
تمثل منظمة أوبك، التي تأسست في بغداد عام 1960 بمشاركة السعودية والعراق والكويت وإيران وفنزويلا، أحد أهم مراكز النفوذ في أسواق الطاقة العالمية، وقامت فكرة المنظمة على تنسيق السياسات النفطية بين الدول الأعضاء وحماية مصالح المنتجين والحفاظ على استقرار السوق.
ومع تراجع قدرة أوبك وحدها على التأثير في سوق بات يضم منتجين كبارا من خارج المنظمة، تأسس تحالف “أوبك+” عام 2016 ليجمع أعضاء “أوبك” مع عشرة منتجين مستقلين بقيادة روسيا، ومنذ ذلك الحين تحول التحالف إلى القوة الأكثر تأثيرا في سوق النفط، مع سيطرته على ما بين 40 و50 في المئة من الإنتاج العالمي.
لكن هذه القوة لم تمنع ظهور تصدعات داخلية، قد شهدت أوبك خلال السنوات الماضية سلسلة من الانسحابات بدأت مع قطر في ديسمبر 2018 بعد عضوية استمرت نحو 57 عاما، عندما قررت الدوحة التركيز على قطاع الغاز الطبيعي المسال، وتبعتها الإكوادور مع نهاية 2019، ثم أنغولا التي أعلنت مغادرة المنظمة في ديسمبر 2023 معتبرة أن التزاماتها الإنتاجية لم تعد تتوافق مع أهدافها الاقتصادية.
وجاءت المفاجأة الأكبر في أبريل 2026 عندما أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك وأوبك+ في خطوة أثارت اهتمام الأسواق العالمية، خصوصا أنها جاءت في توقيت يتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة نتيجة الحرب الاميركية الإسرائيلية مع إيران والمخاوف المرتبطة بمضيق هرمز.
“المنظمة تقف حاليا أمام مفترق طرق حقيقي، إذ سيكون عليها تطوير أدواتها وآليات عملها بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة أو مواجهة خطر التراجع التدريجي لصالح منتجين كبار خارج إطارها التقليدي” يقول المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان علي الريامي.
“صيغة أوبك+ تبدو الأكثر قدرة على الاستمرار لأنها تجمع بين الخبرة التاريخية لأوبك والثقل الإنتاجي للمنتجين الكبار خارجها” يضيف الريامي لـ”الحرة”.
تعد منطقة الشرق الأوسط القلب النابض لمنظمة “أوبك”، حيث تضم أكبر المنتجين والمؤثرين في القرار النفطي، وعلى رأسهم السعودية ودول الخليج والعراق. لذلك، لم تكن آثار “حرب إيران” محصورة في الجوانب العسكرية فقط، بل امتدت سريعاً لتلقي بظلالها الكثيفة على ممرات التجارة الدولية وأسواق الطاقة.
الخطورة في هذه الحرب أنها شملت تهديدات مباشرة لطرق الإمداد الرئيسة مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر. هذه الممرات المائية الحيوية يمر عبرها ملايين البراميل من النفط يومياً نحو الأسواق العالمية. الاستهداف المستمر للسفن وناقلات النفط خلق حالة من القلق الشديد في الأسواق المالية، ورفع تكاليف التأمين على الشحن البحري إلى مستويات قياسية.
في الأزمات السابقة، كانت المنظمة تتدخل لتهدئة الأسواق عبر زيادة الإنتاج لتعويض أي نقص، لكن في هذه الحرب، أصبحت خطوط الإمداد نفسها مهددة، وهو أمر لا تملك المنظمة القدرة على حله عبر زيادة أو خفض الإنتاج.
يقول الأكاديمي والمحلل الاقتصادي محمد دليم القحطاني إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط شكلت نقطة اختبار مهمة للمنظّمة، خاصة بعد أن امتدت المخاطر إلى الممرات البحرية الحيوية ومنشآت الطاقة في منطقة الخليج.
ويضيف القحطاني لـ”الحرة” أن “السؤال المطروح في مثل هذه الظروف لا يتعلق فقط بكمية النفط المنتجة عالميا، بل بمدى قدرة الإمدادات على الوصول إلى الأسواق بصورة آمنة ومنتظمة”.
ورغم هذه المتغيرات، يؤكد القحطاني أن أوبك ما زالت تحتفظ بأهم أدوات التأثير في السوق من خلال قدرتها على إدارة جزء مؤثر من المعروض النفطي العالمي، خصوصا عبر تحالف أوبك+. ويضيف أن المنظمة لم تعد تتحكم بالأسعار بصورة منفردة، لكنها لا تزال تؤثر في اتجاهات السوق.
وبالإضافة إلى الحرب وتداعياتها، تراجعت الخصة السوقية الإجمالية لـ”أوبك” في السوق العالمية بفعل انسحاب الإمارات ودول أخرى.
وقد تحوّلت هذه الدول إلى منافس حر يعمل خارج مظلة الاتفاقات، مما يضعف قدرة أوبك على التحكم في المعروض العالمي ويسهل على الدول المستهلكة، مثل الولايات المتحدة والصين، إيجاد بدائل للنفط الذي تنتجه المنظمة.
يعتقد الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي أن خروج الإمارات يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى كونها من أكثر أعضاء المنظمة استثمارا في رفع الطاقة الإنتاجية والكفاءة التشغيلية، إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه أن مركز الثقل داخل أوبك ما زال يرتكز على الدول التي تمتلك طاقات إنتاجية احتياطية كبيرة، وفي مقدمتها السعودية.
ويؤكد القمزي لـ”الحرة” أن أوبك لم تعد تمتلك القدرة المنفردة على تحديد الأسعار كما كانت الحال في العقود الماضية، لكنها ما زالت تؤدي دورا محوريا في الحفاظ على استقرار السوق، مستفيدة من الطاقات الاحتياطية التي تملكها الدول الخليجية الكبرى والتي تسمح لها بالتدخل عند حدوث اضطرابات مفاجئة في الإمدادات.
صحيح أن المنظمة لم تعد قادرة على فرض إرادتها على العالم بقرار أحادي، كما يقول خبراء، لكنها على الأرجح ستظل لاعباً رئيساً لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة أزمات الطاقة العالمية، مستفيدة من ثقلها التاريخي واحتياطياتها الضخمة.
يشير الريامي إلى أن العقوبات الاقتصادية والاضطرابات الأمنية والأزمات السياسية التي تشهدها بعض الدول المنتجة قلّصت من قدرة المنظمة على العمل ككتلة متماسكة، إلا أن وجود دول رئيسة مثل السعودية والعراق بقدرات إنتاجية كبيرة ما زال يمنحها هامشا مهما من التأثير في السوق.
ويؤكد الريامي أن تحالف “أوبك+” نجح خلال السنوات الماضية في تعويض جانب من تراجع نفوذ “أوبك”، من خلال توسيع دائرة التنسيق لتشمل منتجين كبارا من خارج المنظمة، وفي مقدمتهم روسيا مما وفر للسوق إطارا أكثر قدرة على تحقيق التوازن والاستقرار.
بالنهاية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن المنظمة لم تعد اللاعب الوحيد في قطاع الطاقة كما كانت في الماضي، لكنها ما زالت تمتلك أدوات مؤثرة لا يمكن تجاهلها، كما أن تحالف “أوبك+” أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرته على التأثير في اتجاهات السوق عندما تتوفر الإرادة السياسية للتنسيق بين أعضائه.