![]()
انتقل اسم الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية من مرشح لرئاسة الجمهورية إلى لوائح العقوبات الأميركية. فرئيس تيار المردة الذي تمسك حزب الله بترشيحه لرئاسة الجمهورية قبل سنوات، وجد اسمه، الخميس، في قائمة تستهدف شخصيات أسهمت في تعزيز نفوذ الحزب في لبنان.
فقد فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، إلى جانب شركات وأفراد آخرين قالت الوزارة إنهم يشكلون جزءاً من شبكة مالية مرتبطة بالحزب.
وشددت الخزانة الأميركية على أن المسؤولين اللبنانيين المشمولين بالعقوبات “استغلوا نفوذهم لعرقلة عملية السلام في لبنان وتأخير نزع سلاح حزب الله”.
وبحسب البيان، استخدم فرنجية تحالفه الاستراتيجي مع حزب الله لخدمة طموحاته السياسية، وتلقى دعماً مالياً من الحزب مقابل دعمه جهوداً استهدفت مقاعد نيابية يشغلها نواب إصلاحيون ومستقلون خلال الانتخابات البرلمانية اللبنانية.
أما قماطي، فاتهمته الخزانة الأميركية بالمشاركة في تنسيق عمليات نقل أموال نقدية من إيران إلى لبنان لدعم أنشطة الحزب.
ورغم اتساع الشق المالي من حزمة العقوبات، استحوذ اسم سليمان فرنجية على القدر الأكبر من الاهتمام، بالنظر إلى ثقله السياسي، وتحالفه مع حزب الله، فضلاً عن علاقته الوثيقة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد.
من الرئاسة إلى العقوبات
لا تكمن أهمية القرار الأميركي في استهداف زعيم حزب مسيحي متحالف مع حزب الله فحسب، إذ سبق لواشنطن أن فرضت عقوبات عام 2020 على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بل في أن العقوبات طالت هذه المرة الشخصية التي خاض الحزب من أجل إيصالها إلى قصر بعبدا واحدة من أطول معاركه السياسية.
فبعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 30 أكتوبر عام 2022، تمسك حزب الله بترشيح فرنجية لأكثر من عامين رغم الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية. لكن المعركة انتهت مطلع عام 2025 بانسحابه وانتخاب الرئيس جوزاف عون.
ولا تخرج العقوبة الأميركية على فرنجية “عن سياق العقوبات التي فرضتها سابقاً الولايات المتحدة على شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية تعتبرها واشنطن لصيقة بحزب الله الذي تصنفه كمنظمة إرهابية”، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي.
ويضيف الزغبي في حديث لموقع “الحرة” أن هذه العقوبات هي “عقوبات متتابعة على مراحل، ويبدو أنها ستستمر كي تشمل دائرة واسعة من داعميّ الحزب ومؤيديه”.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت الشهر الماضي عقوبات على ضابطين في الخدمة الفعلية داخل الجيش اللبناني والأمن العام، في خطوة اعتبرها مراقبون سابقة غير معهودة في العلاقة بين واشنطن والمؤسسات الأمنية اللبنانية.
من جانبه، يشير الكاتب الصحفي طوني بولس إلى أن “فرنجية من أوائل السياسيين الذين تحدثوا مؤخراً عن تحركات كانت تُحضّر لإسقاط الحكومة”. وربط فرنجية في حديث صحفي مستقبل الحكومة بنتائج المواجهة الدائرة قائلاً “إذا انتصر خطنا في الميدان ينبغي أن تسقط الحكومة بعد الحرب، وإذا انتصر خطهم ستستمر. هذه هي المعادلة”.
ويعتبر بولس في حديث لموقع “الحرة” أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الوزير السابق يوسف فنيانوس عام 2020 بتهمة ضلوعه في الفساد ودعمه حزب الله “شكّلت مؤشراً مبكراً إلى توجه أميركي نحو الدائرة السياسية المحيطة بفرنجية”، معتبراً أن العقوبات الجديدة تندرج في سياق استكمال هذا المسار.
رسائل واشنطن
وبعد فرض العقوبات يوم الخميس، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن “أنشطة حلفاء حزب الله ترسّخ نظام سلطة موازية يبقي لبنان ضعيفاً ومقسماً”، معتبرة أن “حزب الله هو العقبة الأكبر أمام تعافي لبنان ويحتجز الدولة رهينة لصراع دائم”، مؤكدة أن “على حزب الله نزع سلاحه من أجل تحقيق سلام دائم في المنطقة وضمان استقرار وازدهار لبنان”.
وتحمل العقوبات الأميركية رسائل واضحة، كما يقول الزغبي، “بضرورة تفكيك منظومة حزب الله الأمنية والسياسية والمالية في إطار سعي واشنطن لإنقاذ الدولة اللبنانية من سطوة سلاحه وتقليص نفوذ إيران على وكلائها في المنطقة”.
من جانبه يرى بولس أن العقوبات المفروضة على فرنجية تحمل رسائل سياسية إلى حلفاء حزب الله في الداخل اللبناني، “ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري وغيره من القوى التي لعبت دوراً في تعطيل الاستحقاقات الدستورية خلال السنوات الماضية، فضلاً عن عرقلة الدولة اللبنانية في مساعيها لدفع المفاوضات الجارية مع إسرائيل قدماً للتوصل إلى ترتيبات تفضي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام اتفاق سلام بين البلدين”.
ماذا عن مستقبل فرنجية السياسي؟
قبل أسابيع من صدور العقوبات، كان سليمان فرنجية قد جدد تمسكه بخياراته السياسية وتحالفاته، مؤكداً، في حديث صحفي، استمرار وقوفه إلى جانب حزب الله، وقال “إذا ربح حزب الله سنربح وإياه، وإذا خسر، لا سمح الله، نخسر معه بشرف، إنّما الأكيد أنّنا لا يمكن أن نحيد عن قناعاتنا”.
وفيما يتعلق بملف السلام مع إسرائيل، شدد فرنجية على أن “لبنان يُفترض أن يكون آخر من يوقّع على السلام بعد ضمان حقوقه”.
وتنقسم الآراء حول حجم التأثير الفعلي للعقوبات الأميركية على مستقبل فرنجية السياسي. إذ يرى الزغبي أن “لهذه العقوبات تأثيراً سياسياً على الذين تستهدفهم، خصوصاً أن فرنجية مرشح للرئاسة ولديه نائب في المجلس ونواب حلفاء، كما أن له شعبية مناطقية في الشمال، وقد دفع سابقاً ثمن ارتباطه بحزب الله، ولهذا السبب لم يستطع الوصول إلى كرسي الرئاسة”.
ويلفت إلى أن “هذا الثمن السياسي مرشح للاستمرار في المرحلة المقبلة بحيث يتضاءل حضوره أكثر فأكثر مع تضاؤل تأثير الحزب نفسه والمحور الذي تقوده إيران”.
كذلك يرى بولس أن هذه العقوبات “تشكل ضربة مباشرة لطموحات فرنجية الرئاسية، وتضعه في دائرة الشبهات السياسية والمالية المرتبطة بعلاقته بحزب الله، المصنف تنظيماً إرهابياً من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول”.
في المقابل، يقلل الباحث في الشؤون السياسية والأمنية بديع قرحاني من انعكاسات العقوبات على موقع فرنجية داخل بيئته السياسية. ويقول لموقع “الحرة” “لا أعتقد أن هذه العقوبات ستؤثر على أي استحقاق سياسي أو انتخابي لفرنجية”.
لا بل يعتقد قرحاني أن هذه العقوبات قد تعزز حضور فرنجية داخل بيئته، ويقول “من يعرف عقلية أهل منطقته يدرك ذلك، ويجب ألّا ننسى هتافات قسم كبير من أهالي زغرتا (أنت البطرك يا سليمان)، عندما كان هناك خلاف بين فرنجية والبطريركية المارونية”.
ويضيف “مستقبل فرنجية السياسي كان مرتبط أساساً بالنظام السوري السابق، اضافة إلى حزب الله، وبسقوط نظام الأسد، لم يعد هناك مستقبل سياسي لفرنجية على مستوى رئاسة الجمهورية، وهذا الأمر لا علاقة له بالعقوبات الأميركية، بل بالتغيرات التي حدثت في المنطقة وسوريا تحديداً”.
الرابح الأكبر
تكتسب العقوبات الجديدة أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في مرحلة تشهد تصاعداً في الضغوط الأميركية على لبنان، سواء فيما يتعلق بملف نزع سلاح حزب الله أو بالمفاوضات الجارية برعاية واشنطن بين لبنان وإسرائيل.
ويرى الزغبي أن “ازدياد الأشخاص المستهدفين بالعقوبات الأميركية سيؤدي إلى التضييق السياسي على حزب الله ويُضعف حلفاءه”، مضيفاً أن الحزب “فقد الكثير منهم خارج الطائفة الشيعية بفعل انخراطه في حربي الإسناد لحركة حماس ثم إيران”.
أما قرحاني فيقدم قراءة مختلفة، قائلاً “بحسب التجربة، فإن هذه العقوبات لم تبعد حلفاء حزب الله عنه ولم تعزله سياسياً، وهناك التجربة مع جبران باسيل الذي تمسك بتحالفه مع الحزب حتى آخر لحظة”.
ولا تقتصر تداعيات العقوبات الأخيرة على بعدها السياسي، بل تمتد إلى إجراءات مالية وقانونية واسعة. إذ تنص على تجميد جميع الأصول والمصالح المالية العائدة للمشمولين بها داخل الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سلطة أشخاص أميركيين. كما تشمل أيّ كيانات يملكون فيها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حصة لا تقل عن 50 في المئة.
وتحظر العقوبات على الأفراد والشركات الأميركية إجراء أي معاملات مع الأشخاص المدرجين على لوائحها، فيما تفتح المجال أمام فرض عقوبات ثانوية على مؤسسات مالية أجنبية تتعامل معهم أو تسهّل معاملاتهم، ما يضاعف من كلفة التعامل المالي معهم على المستوى الدولي.
وفي أول موقف له بعد إدراجه على لائحة العقوبات، أكد فرنجية في منشور على “إكس” أن الإجراءات الأميركية “لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد”، مضيفاً “نحن كنا ولا نزال مع السلام، ولكن ضد الاستسلام”، قبل أن يختم بالقول “هذا التصرف لن يؤثر على رأينا بل يزيدنا قناعة به”.
وبينما يتمسك فرنجية بمواقفه، يدعو بولس الدولة اللبنانية إلى التعامل مع المعطيات الواردة في قرارات العقوبات باعتبارها مدخلاً للتحقيق معه، “ولا سيما فيما يتعلق بأي شبهات مالية قد تكون واردة في الملفات التي استندت إليها واشنطن”.
ويفتح القرار الأميركي الباب أمام تساؤلات متزايدة داخل صفوف حلفاء حزب الله بشأن اتجاهات سياسة العقوبات الأميركية في لبنان، وما إذا كانت ستتوسع لتشمل شخصيات وقوى سياسية إضافية.
وأياً تكن المسارات التي ستسلكها هذه العقوبات، تبقى “الدولة اللبنانية الرابح الأكبر منها”، كما يرى الزغبي، لأنها “ستنجح في تطويق خصومها وعلى رأسهم حزب الله وسلاحه وأذرعه، بحيث تتمدد شرعيتها تباعاً على كلّ الأراضي اللبنانية وينضوي تحت لوائها المزيد من المكوّنات السياسية والطائفية”.