![]()
(1)
لا أتذكر تاريخاً كنت أفرح فيه بالعيد؛ فمنذ طفولتي المتأخرة وصباي الباكر نشأت بيني وبين الأعياد جفوة. كان راعي أبقارنا يدخل في إجازة العيد، وكنت أقوم مقامه بأمر من الوالد العزيز – تتنزل شآبيب الرحمة على قبره الطاهر – مع أن هناك بدائل أخرى لرعاية الأبقار، مثل أن تُحبس في الزريبة وتُعلف فيها، أو يُحفَّز الراعي نفسه بأجر إضافي، كما أن هناك رعاة طوارئ لمثل يوم العيد.
وكان الوالد من الموسرين في زمانه، لكنه كان يصر على أن أقوم أنا بذلك الدور لحاجة في نفسه، أدركتها فيما بعد، دون أن يبوح لي أو لغيري بها إلى أن رحل عن الدنيا. فبسرحة يوم العيد، مع تصرفات أخرى كثيرة، كان يروم التنشئة الخشنة للابن الوحيد وسط سبع بنات.
الشاهد في الأمر أن هذه الجفوة استمرت منذ بداية المرحلة الابتدائية إلى نهاية المرحلة الوسطى، ثم بعد ذلك أخذت أنظر إلى العيد بوصفه يوماً كثير الأعباء، تتجدد فيه الأحزان.
وقد سعدت ذات يوم حين قرأت للشاعر الرقيق عبد الوهاب هلاوي قولاً جاء فيه إن يوم العيد يوم حزن بالنسبة له، الأمر الذي طمأنني بأنني لست وحدي غير المتصالح مع الأعياد.
(2)
بمرور الأيام والسنوات تحولت العلاقة مع الأعياد من الجفوة إلى الرتابة، أو يمكن وصفها بالمحايدة. غلب عليها الطابع الاجتماعي، كمعايدة الكبار والمرضى وذوي الفقد، وحضور مناسبات الزواج واجتماع الشمل.
إلى أن جاء ذلك العيد الذي وافق الأيام الأولى لحرب منتصف أبريل 2023، والذي صادف عيد الفطر لعام 1444هـ. بعده دخلنا في أعياد من نوع رهيب وغريب؛ إذ ألقت قوات الدعم السريع بظلالها المرعبة على كامل منطقتنا.
فتغيرت إقامة شعائر العيد عندنا، فبدلاً من اجتماع جميع أهل القرية في مصلى العيد الأوحد، أصبحت الصلاة تُقام في عدة مواقع، وكان الشباب موزعين على ثغور القرية، والأخبار السيئة تتواتر من كل حدب وصوب، والهجوم متوقع في أي لحظة، والإحساس بأن هذا آخر عيد يسيطر على كل نفس.
أمضيت ثلاثة أعياد في ظلال دولة الدعم السريع، أقل ما توصف به أنها أعياد مرعبة. ثم جاء التحرير، فطرد الجيش الدعم السريع من شمال الجزيرة في خواتيم عام 2024.
وبعدها خرجت من السودان في أواخر رمضان قبل الأخير، حيث عيدت عيد الفطر في المملكة العربية السعودية، ثم انتقلت إلى مصر التي صادفت فيها عيدين.
أعياد الغربة لها طعم مختلف، أعياد لا تتمناها لحبيب أو قريب. ليس فيها إلا الشعيرة الدينية – بالله عليكم لا تقولوا «طقوس دينية»، فكلمة «شعائر» هي الأنسب، وهذا والله أعلم – أما البعد الاجتماعي في أعياد الغربة فهو صفر كبير؛ لا مصافحات، ولا زيارات، ولا زواج، ولا عرس، ولا خطوبة، ولا بلال موسى.
الحنين والشوق للوطن ولمّة الأهل يحتقنان في الدواخل، ولا تنفسهما إلا الدموع: (أمانة يا الدموع ما ليكِ حوبة).
في أعياد الغربة تكتشف أن الأسرة الصغيرة لا تغني عن الأسرة الكبيرة.
(3)
لما تقدم أعلاه، ولعودتي إلى حضن الوطن قبل ثلاثة أسابيع من العيد الأخير، انتظرته بفارغ الصبر، وترقبته كما يترقبه طفل في السابعة، فوق الخروف الذي أحضر له والده لبسة وجزمة جديدة حباً وكرامة.
حسبت الأيام والساعات والدقائق مستعجلاً قدومه. وكيف لا، وقد جاءني بعد مجافاة الأعياد، ثم بعد أعياد رتيبة، ثم بعد ثلاثة أعياد مرعبة، وثلاثة أعياد حزينة.
لقد نسيت تماماً أنني موعود بالسبعين (يا جماعة الخير أنا رابط في الحتة دي).
في صبيحة يوم العيد كنت من أوائل الحاضرين إلى المصلى، و«آخر جلابية بيضاء مكوية… يا حبيبي بسحروك لي».
ورددت التكبير والتهليل والحمد مع الحضور بأعلى صوت، لدرجة لفتت نظر المجاورين. وبعد الصلاة والخطبة وقعت في الحضور مقالدةً ومصافحةً، والعفو لله والرسول (نعم والرسول كيتا في جماعة أصحابي)، تتبادل الدموع مع هذا، والضحكات مع ذاك، وترفع الصوت مع ثالث، وتخفضه مع رابع.
ناس أعمار وأنواع، وأنت بدورك تتشكل بحسبهم.
وتواصلت ذات المناظر بعد الخروج المتأخر من المصلى. فقد كان عيداً ولا كل الأعياد، أكاد أجزم بأنه أول عيد أستطعمه في حياتي التي مرت بها عشرات وعشرات الأعياد.
لهذا أتجرأ وأقول لسيدنا وسيد شعراء العربية أبي الطيب المتنبي، وبملء الفم: «بأمرٍ فيه تجديد»، وبالدارجية السودانية: «عيد جديد لنج ومختلف».
وهذا جواب على سؤاله المشهور في بيته الأشهر:
«عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ؟»
ويلا يا شاعرنا العظيم… «شوف ناسك وين، غايتو ديل ما نحن».
(4)
وبما أنه لا يوجد إطلاق في هذه الدنيا، وكل شيء نسبي، فلن أبالغ وأقول إن اليوم كان خالياً من المنغصات؛ فالدنيا لن تكتمل لشخص، وأي يوم مهما كان سعيداً لا بد أن تكون فيه بذور شقاء.
فقد لاحظت في مصلى العيد انخفاض عدد الأتراب والأنداد، ناهيك عن الذين يكبروننا سناً. ومن قابلته منهم وجدت أن الزمن ترك بصمته عليه، أقلها الصلاة على الكرسي.
ونفس هذه الملاحظة حدثت لي عندما زرت الأهل في بلدة النوبة، وأمضيت معهم نهار الجمعة التي تلت العيد. رأيت صورة نفسي، فوجدتها هي الأخرى أن الزمن قد فعل بها الأفاعيل، وبمعدل أكبر مما حدث للأنداد.
فهل هذه النشوة التي أشعر بها حالة إنكار؟ أم جهل بما كان الزمن يضمر؟ أم فجيعة الموت؟
في الأعياد الرتيبة التي مضت تعودت على معايدة كل من يكبرني سناً من الأهل في منازلهم، وزيارة المرضى والأسر ذات الفقد بين العيدين.
في هذا العيد انخفض عدد كبار السن إلى أقل من الربع تقريباً. أكاد أجزم بأن الذين رحلوا عن الدنيا منهم في الأعياد الستة الأخيرة يزيدون على ثمانين في المائة ممن كنت أزورهم.
كما أن عدد المرضى الذين لم يخرجوا لصلاة العيد كان فوق المعدل، وكل الأسر أصبحت ذات فقد.
ومع ذلك كان المصلى والطرقات يموجان بالشباب والشابات والأطفال.
وهكذا سنة الحياة… ناسات تفوت وناسات تجي.
ولكن – وآه من لكن هذه – كانت سنواتنا الأخيرة سنوات جدب وجفاف، والآن نحن في انتظار سنوات الخصب والنماء.
قولوا: يا رب.
والعيد مبارك عليكم، وكل سنة وأنتم طيبون