فخ برلين.. هل تُباع السيادة السودانية في مزادات الدبلوماسية؟

Loading

فخ برلين.. هل تُباع السيادة السودانية في مزادات الدبلوماسية؟

تقرير: عثمان عبد الهادي- ​تواجه التحركات الدولية الأخيرة في العاصمة الألمانية “برلين” موجة غضب سودانية عارمة، بعدما اختار المنظمون القفز فوق حاجز الدولة وتجاهل حكومتها الشرعية. هذا النهج الإقصائي لا يبدو مجرد خطأ في “بروتوكول” الدعوات، بل هو محاولة صريحة لرسم مستقبل السودان في غرف مغلقة وبعيداً عن أهله.

إن محاولة هندسة الواقع السوداني بمقاسات خارجية هي إعادة إنتاج لعقلية “الوصاية” القديمة التي تظن أن الشعوب عاجزة عن تقرير مصيرها، مما يهدد بتفكيك ما تبقى من مفاصل الدولة الوطنية وشرعنة أجسام موازية لا تملك من أمرها شيئاً سوى الدعم الخارجي.

تجاوز السيادة

إقامة مؤتمر دولي يقرر مصير السودان في غياب دولته هو طعنة في قلب القوانين الدولية. هذا التصرف لا يكسر الأعراف الدبلوماسية فحسب، بل يمثل اعتداءً مباشراً على “السيادة الوطنية”، وتحولاً خطيراً من دور “الوسيط” إلى دور “المتحدث” باسم الدولة السودانية دون تفويض من شعبها.

إقصاء متعمد

أي وساطة ناجحة في العالم تشترط “رضا الأطراف”، وعلى رأسها الدولة المعنية. لكن القفز فوق هذا الشرط يحول برلين من منصة للحل إلى أداة للفرض القسري، حيث يتم التعامل مع السودان كأنه أرض بلا صاحب، مما ينزع أي قيمة حقيقية عن المخرجات التي ستولد ميتة.

مساواة ظالمة

يحاول المؤتمر وضع الدولة والمليشيا في كفة واحدة، وهو تزييف متعمد للواقع. فالمساواة بين مؤسسة رسمية ومجموعات متمردة يضرب فكرة “هيبة الدولة”، ويعطي الضوء الأخضر للمجموعات المسلحة للاستمرار في العنف كوسيلة وحيدة للحصول على مقعد في طاولات التفاوض الدولية.

غياب الحياد

حين يجلس على طاولة “الوساطة” أطراف متهمة بصب الزيت على نار الحرب ودعم التمرد، تسقط صفة الحياد فوراً. المؤتمر بهذا الشكل لا يبحث عن حل، بل يبدو كأنه “نادي للممولين” يحاولون إعادة ترتيب المشهد السوداني بما يضمن مصالحهم، لا مصلحة المواطن السوداني.

صناعة البدائل

يتحول المؤتمر بوضوح إلى “مصنع” لإعادة تدوير وجوه سياسية معارضة وتقديمها كبديل شرعي للدولة. منح هؤلاء منصات دولية وتجاهل المؤسسات الرسمية هو تدخل سافر في الشأن الداخلي، ومحاولة لفرض “نخبة مستوردة” لا تجد لها صدى أو قبولاً في الشارع السوداني.

تجميل العنف

استضافة شخصيات سياسية تبرر جرائم المليشيا أو تتماهى مع خطابها هو “غسيل سياسي” لجرائم الحرب. هؤلاء لا يمثلون وجهات نظر سياسية، بل يعملون كواجهات مدنية لمشروع عسكري مدمر، ووجودهم في برلين يمنح العنف “شرعية” لا يستحقها تحت غطاء الحوار المدني.

معايير مزدوجة

تظهر بريطانيا وغيرها في المؤتمر بوجه “الإنسان القلق” على السودانيين، بينما في الواقع تغلق أبوابها في وجوههم وتضيق عليهم الخناق. هذا التناقض يكشف أن الشعارات الإنسانية ليست سوى “ستار دخاني” لتمرير أجندات سياسية، ومحاولة لإسكات الأصوات التي تفضح انتهاكات المليشيا.

هندسة خارجية

رسم الخرائط السياسية للسودان من برلين هو استعمار حديث يرتدي ربطة عنق دبلوماسية. إن محاولة تحديد “من يحكم” و”من يُقصى” من خارج الحدود تتجاوز كل حدود الوساطة، لتصل إلى مرحلة “الهيمنة” التي ترفضها الشعوب الحرة التي تسعى لامتلاك قرارها المستقل.

تفكيك المؤسسات

خطر هذه المؤتمرات يكمن في خلق “مسارات موازية” تُضعف مؤسسات الدولة تدريجياً. هذا النهج لا ينهي الحرب، بل يفكك بنية السودان ويحوله إلى “كانتونات” متصارعة، حيث تصبح الدولة مجرد “طرف من ضمن أطراف” لا المظلة التي تجمع الكل.

حلول مستوردة

التاريخ يثبت أن أي سلام لا يصنعه أهله في الداخل هو سلام “هش” وقابل للانهيار. برلين تقدم “حلولاً معلبة” بلا جذور وطنية، وهي وصفة جاهزة للفشل؛ لأن السلام الحقيقي لا يُستورد في حقائب الدبلوماسيين، بل يُبنى بالتوافق الوطني والسيادة الكاملة.

فخ سياسي

عموما… ان مؤتمر برلين ليس مجرد “لقاء تشاوري”، بل هو “فخ سياسي” يهدف لإعادة توزيع القوة في السودان بعيداً عن الشرعية. إن تغييب الدولة السودانية هو اعتراف ضمني بأن الهدف ليس إيقاف المأساة، بل إعادة هندسة من يحكم السودان وكيف، وهو مسار أثبتت الأيام أنه لن يقود إلا إلى مزيد من التشظي والضياع.