الفن العربي بين الأصالة والمعاصرة: رحلة الهوية القومية

الفن العربي بين الأصالة والمعاصرة: رحلة الهوية القومية

Loading

الفن العربي بين الأصالة والمعاصرة: رحلة الهوية القومية

د. عقيل فائق السعود 

عندما نتأمل لوحة عربية معاصرة أو نقف أمام منحوتة تستلهم الماضي، ندرك أن الفن لم يكن يومًا مجرد فعل جمالي معزول، بل مساحة حيّة لسرد الحكاية القومية وترجمة الذاكرة الجماعية. ففي الوطن العربي، تحوّل الفن التشكيلي منذ بدايات القرن العشرين إلى لغة بصرية تعبّر عن الهوية، وتحمل في تفاصيلها صراع الانتماء، والبحث عن الذات، والتوازن بين الأصالة والحداثة.

 

لم يكن الفنان العربي مقلّدًا للتيارات الغربية بقدر ما كان محاورًا لها، يسائلها ويعيد تشكيلها وفق خصوصيته الثقافية والتاريخيـة. وبين رمـوز التراث، والأسـاطير، والبيئة المحلية، والقضايا الوطنية، تشكّلت تجارب فنية جماعية جعلت من اللوحة والمنحوتة وثيقة ثقافية تعبّر عن هموم الشعوب وتحولاتها الاجتماعية والسياسية على مدى القرن العشرين، أصبح الفن التشكيلي أداة محورية للتعبير عن الهوية القومية في الوطن العربي، وسيلة للتوازن بين التأثر بالتيارات الغربية الحديثة والرغبة في الحفاظ على الخصوصية الثقافية والتراثية. لم يكن الفن مجرد ممارسة جمالية، بل أداة للتواصل الثقافي، لنقل القيم والموروث الشعبي إلى لغة بصرية يفهمها الجميع ويشعر بها.

في مصر، ظهرت جماعات فنية مثل الفن والحياة والفن المعاصر، التي سعت إلى تقديم فن يعكس الحياة اليومية متجـذرًا في التـاريخ والثقـافة المحلية. ومنحوتة محمود مختار “نهضة مصر” مثـال على المـزج بيـن الرمـوز الوطنية والأسلوب الفرعوني الكلاسيكي والحداثة الأوروبية. وواصلت جماعات مثل الفنانون الخمسة وجماعة المحور توسيع اهتماماتها لتشمل التراث الشعبي والبيئة والأساطير والفنون التعبيرية الحديثة، ما جعل مصر نموذجًا للفن العربي الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

 

وفي العراق, برزت جماعات مثل الرواد وبغداد للفن الحديث، التي دمجت التراث العربي مع التجريب الفني، مع التركيز على الطبيعة والصحراء والحياة اليومية، مستخدمة الألوان الزاهية والأساليب التعبيرية لنقل روح العراق التاريخية والمعاصرة، من الحضارات القديمة إلى قضايا العصر الحديث.

اما في فلسطين, برزت جماعات مثل جماعة القدس للفنون التشكيلية والمجموعات الشبابية، التي استخدمت الفن للتعبير عن القضية الوطنية، النكبة والشتات، مع رموز وطنية مثل الشجر والحجر والأسوار، وتصوير الحياة اليومية تحت الاحتلال، لتكون الأعمال مرآة لصمود الشعب الفلسطيني وانتمائه.

وفي سوريا ولبنان والأردن, ظهرت جماعات مثل جماعة دمشق للفنون التشكيلية والورشة اللبنانية للفن الحديث، التي ركزت على تصوير المدن القديمة والأسواق الشعبية والطبيعة المحلية، مع دمج الموروث الشعبي والتاريخي، للحفاظ على الذاكرة الثقافية وتعزيز الهوية الوطنية، مع التفاعل مع التيارات الفنية الحديثة.

وفي دول الخليج العربي, تأسست مجموعات فنية في الكويت، الإمارات، السعودية وقطر، شجعت على الفن المعاصر المرتبط بالخط العربي، البيئة الصحراوية والحياة اليومية، لتجمع بين الأصالة الثقافية والانفتاح على الحداثة، وتعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.

وفي تونس, ظهرت جماعات مثل جماعة الفن المعاصر التونسية, التي ركزت على المزج بين التراث الإسلامي والأندلسي والفن الحديث، مستخدمة الألوان الزاهية والرموز الزخرفية، لتكون الأعمال الفنية وثائق ثقافية تعكس الهوية التونسية.

 

اما الجزائر, تأسست جماعات فنية مثل جماعة الفن المعاصر الجزائري, التي اهتمت بتصوير الحياة اليومية والأسواق والحرف اليدوية، مستلهمة التراث الأندلسي والإسلامي، مستخدمة الألوان الزاهية والرموز الزخرفية لتعكس الهوية الثقافية الجزائرية، مع دمج الحداثة في الأسلوب الفني.

 

وفي ليبيا, برزت جماعات مثل جماعة طرابلس للفنون المعاصرة, التي استلهمت من الحضارات القديمة والنقوش الإسلامية والحياة الصحراوية، مع توظيف الفن للتعبير عن التغيرات الاجتماعية والسياسية، ولتعزيز الهوية الوطنية والثقافية.

 

وفي المغرب, ركزت جماعات فنية على تصوير الحياة اليومية، الأسواق والمهرجانات الشعبية، مستلهمة التراث الأندلسي والإسلامي، مستخدمة الألوان الزاهية والرموز الزخرفية، لتكون الأعمال الفنية وثائق ثقافية تعكس خصوصية المجتمع وهوية سكانه.

 

وفي السودان, أسست جماعات مثل جماعة الخرطوم للفنون التشكيلية, مع التركيز على الرموز الشعبية والأساطير المحلية والألوان الترابية الزاهية لتصوير الحياة اليومية وقضايا مثل الهجرة والتغيرات المجتمعية، مما منح الفن السوداني قدرة على التعبير عن الهوية الوطنية والموروث الثقافي.

ورغم الإنجازات الكبيرة، واجه الفن العربي تحديات مشتركة، منها الرقابة السياسية، صعوبة المزج بين الأصالة والحداثة، نقص البنية التحتية الفنية، وضغوط اقتصادية واجتماعية أثرت على دعم الفنانين والجماعات الفنية. ومع ذلك، استمر الفنانون في صياغة هوية بصرية تعكس الانتماء الثقافي والتاريخي لشعوبهم، مع إبراز دور الفن كأداة للتواصل الاجتماعي والتعبير عن القضايا الوطنية.

ما يميز التجربة العربية هو القدرة على الموازنة الدقيقة بين الأصالة والمعاصرة، حيث يدمج الفن الماضي بالحاضر بأسلوب حداثوي يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، مع الحفاظ على القيم التراثية. ولا تزال الجماعات الفنية تلعب دورًا محوريًا في نشر الثقافة، من خلال المعارض وورش العمل والملتقيات، لتصبح كل لوحة أو منحوتة وثيقة حية تعكس تطور الشعوب العربية وتفاعلها مع التغيرات المعاصرة.

 

حتى اليوم، يواصل الفن العربي المعاصر التعبير عن الهوية القومية، متأثرًا بالتيارات العالمية الحديثة، مع الحفاظ على الرابط بالموروث الثقافي، لتظل الهوية عملية حية تتجدد باستمرار عبر جهود الفنانين الشباب الذين يضيفون لمساتهم المعاصرة دون فقدان صلة أعمالهم بالجذور التاريخية.

“الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل أداة لترجمة الهوية القومية والموروث الثقافي إلى لغة يفهمها الجميع”.