![]()

٢٤ يناير ٢٠٢٦
هذا النهار الشتوي يبدو باردا نسبيا، لكنه هادئ لا يتخلله إلا صوت خافت لهمهمات وضحكات المارة وصوت حركة السيارات في أي يوم عادي،
المحال أبوابها مشرعة، والمطاعم والمقاهي والحانات تستقبل الناس كل حسب صحبته وذوقه ومزاجه الخاص،
لكن النظام هو السمة الغالبة للصورة الكلية.
لا شيء جديد.. لا شيء مختلف.. مجرد يوم عادي لا أكثر ولا أقل.
اعتياد النعم قد يجعلنا أحيانا نفقد الشعور بقيمتها، لكنني عاهدت نفسي بتقدير الأشياء العادية، لأنني دوما التفت إلى تلك التفاصيل الصغيرة وأرى فيها معان كبيرة،
كيف لا، وفي مثل هذا اليوم نفسه قبل عام، فقط كان المشهد برمته مختلف.. كل هذه الأشياء العادية غابت، الشوارع كانت شبه خالية، المحال أغلبها مغلقة، ولا صوت يعلو فوق هزيم الرعد وانهمار المطر بهديرٍ متواصل.
٢٤ يناير ٢٠٢٥
أطلقت السلطات البريطانية في ذلك اليوم تحذيرًا باللون الأحمر،
اللون الذي لا يُستخدم إلا نادرًا، حين يصبح الخطر في أعلى درجاته،
وحين لا تعود العاصفة احتمالًا، بل تهديدًا مباشرًا للحياة.
صفير رياح عاتية، حطام متطاير، أشجار قد تسقط، وبحر هائج يهدد السواحل.
قالوا: ابقوا في الداخل، لا تقودوا، فالخطر حقيقي، وقد تنقطع الكهرباء ويُفقد الاتصال.
كانت العاصفة في الخارج واضحة، مُسمّاة، ومُصنّفة.
لكن ما لم يُكتب في التحذير،
أن هناك عواصف أخرى أشد خطراً
لا تُقاس بسرعة الرياح،
ولا تُرصد بالأقمار الصناعية،
ربما أخطر ما فيها أنها غير متوقعة، تأتي بغتة بلا تحذير أو إنذار مسبق،
بل تُقاس بما يحدث من اختلال في معايير القيم والأخلاق.
في ذلك اليوم، تعرضت وأسرتي لخطر حقيقي،
سُرق فيه أماننا.. وأمانات كنا أودعناها في غير أهل الثقة.. في لحظة تبددت فيها كل الخيارات، لم يكن الأمان في الخارج ولا حتى في الداخل،
أدركت أنه لابد من إيجاد سبيل لمخرج آمن من ذلك الخطر الذي يحدق بنا من كل مكان،
ووسط هذا الضجيج آثرت الصمت قليلا، لألملم شتات نفسي، فمن يحمل مسؤولية أرواح صغيرة لا يملك رفاهية الانهيار.
كان أبي رغم هول الموقف الذي وُضِعنا فيه، واقفًا بشموخ وهيبة الرجال،
كمظلة،
يربت على كتفي ويذكرني، دون كلمات كثيرة،
أنه موجود دومًا…
ليحميني من تقلبات الطقس، والبشر.
رغم القلق البائن على ملامحه،
ورغم أنه تعرض لخطر أكبر اضطرّه للخروج ومواجهة تلك العاصفة وحده،
ترك لي كل الرسائل والوسائل الممكنة،
للثبات.. حتى يعود.. ويعود معه السكون والأمان.
أما أنا فكنت أنظر إلى صغاري،
أحاول احتواءهم وتهدئتهم،
كما فعل معي أبي،
وأخبرهم دون كلام
أن أبي صان الأمانة مرتين:
مرة معي، ومرة مع أبنائي.
في الخارج، كانت الرياح تصرخ،
وفي الداخل، صراخ أعلى
تعلمت حينها فقط أن النجاة ليست مجرد صدفة،
بل فن العيش وسط العواصف…
أن تعرف متى تختبئ، ومتى تقف،
أن تثبت رغم الاهتزاز،
وأن تجد الضوء حتى حين يُطلب منك البقاء في الظلام.
كما قال بودا:
“Pain is inevitable. Suffering is optional.”
الألم كان حتميًا،
لكن الاستسلام لم يكن يومًا قدري.
تأكدت في ذلك اليوم ألا شيء يعلم الإنسان كما الألم،
وأن القوة قد تنمو من الخوف حين لا نهرب منه،
وأن الشجاعة لا تصارع الجبناء، بل تكشفهم.
وأن الصمت، حين يعلو الضجيج، قد يصبح لغة اليقين،
وحتى الكلام عندما يتغلف بالحكمة يكون أقوى من أي عاصفة.
وكما قال بوب مارلي:
“You never know how strong you are until being strong is the only choice you have.”
“لا تعرف أبدًا مدى قوتك حتى تصبح القوة الخيار الوحيد المتاح لك.”
ذلك اليوم الذي كان بمثابة عاصفة الحسم في حياتي،
علّمني أن الحب الحقيقي سند،
وأن الأب هو الوطن، والأمان من غدر الزمان،
وأن النجاة قد تأتي على هيئة يدٍ
تربّت على كتفك
وسط إنذارٍ أحمر.
الحمد لله على نعمة الأب،
الحمد لله على نعمة السند،
الحمد لله على ذلك الحب اللامشروط
الذي منحني قوة استثنائية
لأنجو وسط العواصف،
وأصنع الفرح بين جنبات الحزن،
وأقف بثبات مع كل اهتزازة مصنوعة،
وأزهر ولو غُرست في الصحراء
الأسطورة تقول إن طائر الفينيق ينهض من تحت الرماد، لكن الواقع يؤكد أيضًا أن الإنسان ولو حاصره الموت، سيختار الحياة وسيكون بإمكانه مواجهة العواصف المتوقعة والمفاجئة بصبر ويقين،
وأنا اليوم، أشكر تلك العواصف جميعها، لأنها علمتني كيف أنجو فوق أي أرض وتحت كل سماء، ودربتني جيداً حتى أصبحت مهيأة للتعامل مع أي نفس وأي طقس.