إسماعيل جبريل تيسو يكتب.. حدود المنطق: مفضل في أمريكا،، إعادة السودان إلى طاولة الثقة الدولية..

Loading

حدود المنطق

إسماعيل جبريل تيسو

مفضل في أمريكا،، إعادة السودان إلى طاولة الثقة الدولية..

ساد ارتياحٌ كبير الأوساطَ السودانية في الداخل والخارج عقب الزيارة الناجحة التي قام بها المدير العام لجهاز المخابرات السوداني، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عقد خلالها اجتماعات رفيعة المستوى مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية في كل من العاصمة واشنطن، ونيويورك مقر الأمم المتحدة، فالزيارة التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، استطاعت أن تتجاوز محطة البروتوكولية العابرة، إلى دلالات سياسية وأمنية عميقة، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك عودة السودان لاعباً فاعلاً في مسارات الحوار الدولي، وأعادت بناء جسور الثقة التي تآكلت بفعل الحرب وتعقيداتها، لقد جاءت زيارة مفضل في لحظة يتقاطع فيها الأمن الإقليمي مع حسابات القوى الكبرى، لتقول إن الخرطوم ما تزال حاضرة في معادلة المصالح، وقادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة بلغة المصالح المشتركة.

والواقع أن المباحثات التي أجراها مفضل مع مؤسسات أمنية أميركية رفيعة، تكتسب أهمية مضاعفة على صعيد الأوضاع الأمنية ومسار الحرب التي تدخل عامها الثالث، ذلك أن التواصل المباشر مع صناع القرار في واشنطن يفتح نافذة للتأثير في مقاربات إنهاء النزاع، ويعزز فرص الضغط على الداعمين الإقليميين لميليشيا الدعم السريع، وفي مقدمتهم دولة الإمارات التي وفرت دعماً لوجستياً وعسكرياً أسهم في إطالة أمد الحرب، ويبرز في هذا السياق الالتزام الذي كان قد قطعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل الشخصي لإنهاء الحرب في السودان، نزولاً لرغبة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عقب لقائهما التاريخي في واشنطن في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، إذ لا يمكن عزل هذا الموقف السياسي عن هذه التحركات، فالتزام الرئيس ترامب لمحمد بن سلمان، يعكس تقاطعاً سعودياً أميركياً قد يفضي إلى كبح جماح مصادر تمويل الميليشيا، وتزويدها بالسلاح.

وعلى صعيد مستوى التنسيق الأمني وتبادل المعلومات وملف مكافحة الإرهاب، فقد شكلت هذه الملفات محوراً رئيساً في لقاءات مفضل مع المسؤولين الأميركيين، فالسودان يمتلك خبرات تراكمية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وحساساً بوجوده عند تقاطع القرن الأفريقي والساحل والصحراء، ما يجعله شريكاً مهماً في رصد الشبكات العابرة للحدود، وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، ومكافحة الاتجار بالبشر والسلاح، إن إعادة تفعيل قنوات تبادل المعلومات مع واشنطن تعني عملياً رفع كفاءة الاستجابة المبكرة للتهديدات، وبناء منظومة تعاون قادرة على حماية المصالح المشتركة، وفي مقدمتها استقرار الإقليم ومنع تمدد الجماعات المتطرفة التي تلعب في فراغات السلطة.

ويمثل بحث ملف الإرهاب، فرصةً ذهبية يمكن للسودان أن يستثمرها تحت شعار العنوان الدولي ( مكافحة الإرهاب) لصالح القضاء على ميليشيا الدعم السريع، والعمل على تصنيفها جماعة إرهابية، فالسجل المثقل بالانتهاكات والجرائم والمجازر التي ارتكبتها ميليشيا الجنجويد بحق المدنيين، ومحاولاتها نقل حربها إلى دولة تشاد المجاورة، يؤكد طبيعتها كجماعة مسلحة عابرة للحدود تهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومن هنا فإن تأطير هذه الوقائع ضمن معايير مكافحة الإرهاب، وتقديمها بلغة قانونية مدعومة بالأدلة، من شأنه أن يغير قواعد التعاطي الدولي مع الأزمة، ويمنح الحكومة السودانية أدوات ضغط مشروعة لعزل الميليشيا وتجفيف مصادر دعمها.

عموماً لابد من رفع القبعات وتحية المدير العام لجهاز المخابرات الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل على هذه الخطوات المحسوبة التي قادها ضمن تحركات دولية بدأها منذ بواكير الحرب مع الجوار الإقليمي، فقد أسهمت هذه الجهود في تنوير كثير من العواصم بمسارات الحرب في السودان وانعكاساتها الأمنية على الإقليم، الأمر الذي انعكس إيجاباً على تحييد دول وتعديل مفاهيمها تجاه القضية السودانية، هي إذن مسيرة شاقة، لكنها تؤكد أن العمل المهني الهادئ، حين يُحسن قراءة التوقيت واللغة والمصالح، قادر على إعادة السودان إلى موقعه الطبيعي في الخارطة الدولية.