مجلس السيادة السوداني: اختبار اللحظة الحاسمة

Loading

مجلس السيادة السوداني: اختبار اللحظة الحاسمة

بقلم: رشان أوشي

النورس نيوز _ لا يمكن لأي مراقب أن يغفل حجم التحدي الذي يواجه مجلس السيادة الانتقالي في السودان اليوم. الوضع الدستوري الحالي، المؤقت والمضطرب، لا يمثل صيغة حكم مستقرة لدولة بحجم السودان وتعقيداته. إدارة بلد عبر تسعة أعضاء في رأس الدولة قد تحوّل المجلس إلى ما يشبه “توازن شلل”، يفتح المجال للتجاذبات والصراعات الداخلية. كما يقول المثل الشعبي: “المركب الفيها ريسين بتغرق”.

 

 

 

 

الإشكال الحقيقي لا يكمن في الرغبة في التغيير، بل في طريقة تحقيقه وسيناريو النهاية. كيف يمكن طي هذا الشكل من السلطة دون أن يترك فراغًا أشد خطورة؟

عند النظر إلى تشكيلة المجلس، يتضح أنه تحول من مجلس إشرافي كما نصت الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019م، إلى شبكة من مراكز القوى، لكل مركز منها شرعيته الواقعية المستمدة من التوازنات الاجتماعية والسياسية والعسكرية. لقد أصبح المجلس “أرخبيلًا سلطويًا”، وليس كتلة مؤسسية موحدة.

 

 

 

 

خلال سنوات الانتقال والحرب، ظهرت الوقائع التي أعطت أعضاء المجلس أبعادًا إضافية؛ فمالك عقار أصبح ممثلًا للنيل الأزرق وموازناته، والجنرال كباشي جاء ممثلاً للمؤسسة العسكرية لكن واقعه القَبلي والإقليمي أعطاه قوة إضافية لم تُحسب في البداية، فيما تحرص مطالب شرق السودان ودارفور على تمثيلها السياسي والاجتماعي في أعلى هرم السلطة. أي محاولة لتفكيك المجلس بطريقة مبسطة قد تُفسَّر بوصفها إقصاءً سياسيًا لمكونات كاملة، وليس لأفراد، وهو مسار غالبًا ما يؤدي إلى تجدد النزاعات داخل قلب الدولة.

 

 

 

 

الخروج الآمن من هذه المعادلة يحتاج إلى مسارين: الأول، إعادة هندسة السلطة دستورياً بطريقة أكثر رشاقة، تقلص عدد مراكز القرار مع الحفاظ على التوازنات السياسية والمجتمعية. الثاني، الإبقاء المؤقت على الصيغة الحالية إلى حين انتهاء الحرب وقيام الانتخابات، لنقل الصراع من القوة المسلحة إلى التفويض الشعبي عبر الصندوق.

الإصلاح الحقيقي يكمن في إعادة تعريف مركز القرار: هل هو نتاج توافق سياسي؟ أم نتيجة موازين قوى عسكرية وإقليمية؟

 

 

 

 

مع تصاعد ردود الأفعال من الكيانات الإثنية والمناطقية، يصبح من الضروري توخي الحذر من وهم الحل السريع. من يحاول دفع الرئيس البرهان لاستعجال التغيير يسعى لإشعال مزيد من الحرائق. الدولة لم تستعد بعد احتكارها المشروع للعنف، والجيوش متعددة، والوحدة الجغرافية والسياسية لم تتحقق بالكامل؛ لذلك فإن المغامرات الدستورية غير المحسوبة قد تكون كارثية.

السودان اليوم يقف على مفترق طرق بين مرحلة الحرب والفوضى السياسية والدستورية، وبين بناء دولة مؤسساتية مستقرة. قدرة مجلس السيادة على ضبط التحولات، وتجنب الانفجار القادم، ستكون المعيار الحقيقي لنجاح الانتقال.

محبتي واحترامي.