الأزمة الكردية في سوريا: خطوط حمراء وتنازل قسري

Loading

تقلّصت الخطوط الحمراء الأميركية في سوريا. ولم يعد الحكم الذاتي الكردي من بينها.

باتت أولويات واشنطن اليوم معدودة وواضحة: حماية القوات الأميركية وقوات التحالف، منع الهجمات العابرة للحدود، تأمين مرافق احتجاز أفراد تنظيم داعش، إبقاء طرق العبور الرئيسية مفتوحة، وتجنّب مواجهة مباشرة بين الدول. وإذا ما تحققت هذه الشروط، فإن الولايات المتحدة ستتسامح مع إعادة تشكيل موازين القوة المحلية، حتى لو جاء ذلك على حساب شركاء سابقين.

وفي دردشة مع جو الخولي، قال مستشار سابق للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب: «انتقلت الولايات المتحدة من كونها ضامناً عسكرياً إلى حكم سياسي. فواشنطن لن تتدخل إذا لم يطرأ ما يهدد مهمة مكافحة داعش».

هذا التحوّل مهّد لما تلاه. فقد أطلقت القوات الحكومية السورية هجوماً سريعاً ضد «قوات سوريا الديمقراطية»، وأخرجت الوحدات ذات الغالبية الكردية من مناطق سيطرت عليها منذ انطلاق الحرب ضد داعش. سقطت حقول النفط في دير الزور، وأحياء في الرقة، ومداخل الحسكة تباعاً. كما انضم مقاتلون من عشائر عربية إلى الهجوم، ما سمح لدمشق بإعادة بسط سيطرتها على نحو 150 كيلومتراً على امتداد الضفة الشرقية للفرات.

وقال مسؤول تركي لـ«MBN»  إن النتيجة كانت متوقعة: «لم تكن دمشق لتتحرك من دون وضوح بشأن خطوط واشنطن الحمراء. وحين اتضح أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكرياً، أصبح المسار محسوماً». وعلى المستوى الإقليمي، قُرئت الأحداث ببساطة: تحرّكت دمشق لأن واشنطن لن توقفها.

الاتفاق يتهاوى

جاء الانهيار بعد أشهر من التعثّر في تنفيذ اتفاق الإطار الموقع في 10 مارس 2025، والذي نص على دمج «قسد» في الجيش السوري المعاد تشكيله.

لم يعالج الاتفاق تناقضات جوهرية. فقد طالبت دمشق بدمج المقاتلين بشكل فردي تحت قيادة مركزية، فيما أصرت «قسد» على الانضمام كوحدات متكاملة مع الاحتفاظ بسلطات محلية. كما بقيت ملفات السيطرة على حقول النفط والمعابر الحدودية والأمن الداخلي عالقة.

لنحو عشرة أشهر، لم يتحرك شيء. وأسهمت الغارات الجوية الإسرائيلية على أهداف تابعة للدولة السورية في تعزيز تردّد «قسد». وبحسب مسؤول تركي، اعتقدت «قسد» أن دمشق تفتقر إلى القدرة أو هامش الحركة لفرض الانصياع للاتفاق، وهو تقدير تجاهل حسابات أنقرة.

فالمسار الداخلي التركي مع حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك دعوات زعيمه المعتقل إلى نزع السلاح، كان مرتبطاً مباشرة بوضع «قسد» في سوريا. وقال المسؤول: «طالما بقيت قسد مسلحة وتتمتع بحكم ذاتي، لم يكن لمسارنا الداخلي أن يتقدم. الملفات كانت غير قابلة للفصل».

لم يتجاوز التصعيد أيّاً من الخطوط الحمراء الأميركية. لم تُستهدف القوات الأميركية، وبقيت مرافق احتجاز داعش آمنة، وظل القتال محصوراً جغرافياً. وكان هذا الانضباط أمرا مهما.

ضبط لا فوضى

من منظور أنقرة، كانت النتيجة حاسمة. فقد ألغى تقهقر قسد إمكانية قيام شريط حكم ذاتي كردي دائم على حدود تركيا، وأزال عقبة مركزية أمام مسارها الداخلي للسلام. وقال المسؤول التركي: «ما منعناه هو إفشال بطيء لذلك المسار».

وجاء التوقيت مقصوداً. فقد وقّع الرئيس أحمد الشرع اتفاق وقف إطلاق النار في 18 يناير، قبل يوم واحد من توجهه إلى دافوس. وكانت الرسالة واضحة: دمشق قادرة على ترسيخ سيطرتها، وتحييد الخصوم المسلحين، والعودة إلى المحافل الدولية كحكومة ممسكة بزمام الأمور.

أما من منظور واشنطن، فقد كانت النتيجة مقبولة. وقال المستشار السابق لترامب: «هذا نقل للأعباء. تركيا تحتوي الأكراد، إسرائيل تضبط الجنوب، والولايات المتحدة تراقب داعش. قد لا يكون هذا الوضع لائقا ولكنه يضمن درجة مقبولة من الاستقرار».

ما الذي تغيّر؟

لم تُصادق الولايات المتحدة على الهجوم. لكنها امتنعت عن عرقلته. لا تزال واشنطن تؤدي دور الوسيط وتدير منع الاحتكاك، لكنها لن تضمن الحكم الذاتي الكردي على حساب علاقاتها مع أنقرة، ولن تتدخل عندما لا تكون المصالح الأميركية الجوهرية مهددة مباشرة. وختم المستشار السابق قائلاً: «المشروع الكردي في سوريا لم ينهَر بين ليلة وضحاها. لقد جرى التخلي عنه بهدوء مقابل أهداف أكثر وضوحا وأقل تكلفة».

هذا المقال مترجم من الانجليزية.