![]()

د. عمار حسن خميس
إذا أردت أن تعرف الخطأ الكبير الذي وقع فيه هذا الدكتور المستقيل، فانظر إلى من تلقفوا الخبر وروّجوا له في وسائل الإعلام، وستدرك فورًا الغرض الحقيقي من نشره.
عادةً، من يخاف على مؤسسة ويحرص على مصلحتها، يكتفي بتقديم استقالته في سطرين. أما من يخوض في عرضها وسمعتها، فغرضه يتجاوز مجرد الاستقالة.
للأسف، الترويج والتهويل والأغراض الرخيصة كلها حاضرة. وحتى هذا الدكتور، إن كان حسن النية، فقد كان — للأسف — ساذجًا جدًا. فالرجل الذي يطلّق زوجته بسبب ارتكابها فاحشة لا يُشهّر بها، والقرآن الكريم في سورة النساء بيّن لنا كيف يكون الستر:
“وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (16)”
رغم أنني لا أشك في نية هذا الأستاذ الجليل، إلا أنه أخطأ حين أراد أن يُصلح. فالمسؤولية لا تقتصر على الشهادات والإنجازات، بل تشمل ضبط النفس وقت الشدائد، والذكاء في مواجهة الأزمات، لا الهروب والتشهير وهدم ما تبقى.
السودان يواجه حربًا شعواء على مؤسساته، وعلى إنسانه ووجوده، ونحن — بكل سذاجة — نقدّم للأعداء والمتربصين هدايا لا توصف إلا بأنها مجانية.
إذا أردت أن تعرف حجم الأذى الذي سبّبه هذا الدكتور، فانظر إلى وسائل الإعلام التي روّجت لخبر استقالته، وكيف تم ربطها بالفزاعات التي تُستخدم لاستمرار العداء للدولة ومؤسساتها، ومن تلقفها. ما قاله الدكتور كلام خطير يؤثر بشكل كبير على سمعة الجامعة والتعليم العالي في البلاد.
يجب فتح تحقيق شامل في هذا الموضوع، ومحاسبة المسؤولين عنه.
هل قام بمناقشة هذا الموضوع مع المسؤولين قبل الاستقالة؟ وما ردهم على ذلك؟
نعم، كان يجب عليه عدم إعلان الاستقالة بهذا الشكل، واتباع الطرق الرسمية والقانونية، وتصعيد الموضوع إلى أعلى مستوى قبل إعلانه. والتحقيق في النقاط التي ذكرها يجب أن يكون على أعلى مستوى، خاصة ما يتعلق بتزوير الشهادات.
من المتهم؟ ولأي جهة؟ ومن تم تزوير شهاداتهم؟
هذه تهمة واضحة، ويجب اعتبارها في مقام الخيانة العظمى، ومحاسبة المتورطين.
لكنني أعود وأقول، جامعة الخرطوم ليست مجرد مبانٍ تم هدمها، أو آليات تعمل على هدمها منذ زمن. إنها عصية، لأن أثرها ممتد في كل أنحاء العالم. لن تجد مؤسسة كبيرة أو صغيرة، خدمية أو تعليمية، إلا وفيها نفحة من نفحات جامعة الخرطوم.
جامعة الخرطوم، التي تأسست عام 1902، بدأت بتخريج منسوبيها منذ ذلك الحين، وانتشر أثرها في كل مكان. إنها الجامعة الوحيدة في إفريقيا التي قامت على أكتاف أعرق جامعة في العالم، جامعة كامبريدج. لا أعرف غير جامعة الخرطوم وجامعة هارفارد في أمريكا من نشأتا على أكتاف كامبريدج.
قلتُها وأكررها،ةلم ينقص من قدر جامعة الخرطوم تصنيفها، فقد ساهم منسوبوها في تأسيس معظم الجامعات القائمة الآن في محيطها. لا يغرك فقرها، ولا توقفها بسبب الحرب. فمنذ نشأتها، لا يرتادها إلا الأوائل، ولا يتخرج منها إلا المستحق. طلابها منارات، وخريجوها أثر خالد.
لا تزال الجامعة حلمًا لمن لم يدخلها، وحسرةً لمن لم يُتح له الحظ بذلك. إنها سيرة ذاتية بحد ذاتها، ودليل على أنك شخص مسؤول ذو همة. لا تنقصها استقالة، ولا يهدم مجدها تصرف ساذج. ومن يروّجون لضعفها، إنما يروّجون لضعفهم وذلّهم.
لكنها ستظل عزيزة، كما كانت دومًا، نورًا على نور، وستعود سيرتها الأولى.
من عمل بجامعة الخرطوم يعرف أن لها تقاليد راسخة ونظمًا عصية. فهي تدير نفسها بنفسها، لا يديرها الأفراد. وإن حدث فيها خلل، يظهر على الفور. وما هذه الاستقالة إلا دليل على ذلك، رغم اختلافنا مع الأسلوب غير الرشيد في معالجة الأمر — إن وُجد أصلًا.
نحن طلاب وخريجو جامعة الخرطوم والعاملون فيها، يسوءنا ما يسوءها، ولن نقف يومًا نتفرج عليها. إنها الجامعة الوحيدة التي لا ينتهي الارتباط بها بالتخرج، بل يبدأ من تلك اللحظة، وتعيش فيك، وتُعطيك وتُعطيها.
فلا تبصقوا في الإناء الذي أكلتم منه، بل ردّوا له الجميل. ويا له من إناء: جامعة الخرطوم.
اللهم قد بلّغت، اللهم فاشهد.