مقاربة بين الروح و النفس و علم التخّلٌق (Epigenetics)

مقاربة بين الروح و النفس و علم التخّلٌق (Epigenetics)

Loading

مقاربة بين الروح و النفس و علم التخّلٌق (Epigenetics)

د. عمار حسن خميس

في البداية، دعوني أضع تعريفًا مبسطًا لما يُعرف بعلم التخلّق، بتشديد حرف الخاء وضمّ اللام، ويُعرف بالإنجليزية بمصطلح Epigenetics.  وهو عبارة عن تفاعل الجينات مع البيئة والسلوكيات، مثل الأنماط الغذائية والظروف الحياتية التي يمر بها الإنسان، كالتقدّم في العمر والضغوط النفسية، مما يؤدي إلى نشوء نمط وراثي قابل للتوريث، وقابل للعكس في نشاط الجينات، دون أن يحدث تغيير في تسلسل الحمض النووي المعروف علميًا بـ DNA. 

 

هذه التغيرات قد تكون مثلية للحمض النووي (DNA methylation)، وغالبًا ما تؤدي إلى تقليل التعبير الجيني، وقد تعمل أيضًا على تغيير بعض التركيبات الكيميائية، كما هو الحال في تعديل الهيستونات أو الحمض النووي غير المشفَّر (Non-coding RNA).

ببساطة، هو تفاعل يُنتج نمطًا لا جينيًّا يمكن أن يُورث، لكنه لا يغيّر من الصبغة الجينية الأساسية للشخص.

 

يمكنني أن أضرب مثالًا فعليًا على ذلك: مرض السكري، إذ تشير الدراسات إلى أن ٨٥٪ منه يأتي وراثيًا من هذا النمط التخلّقي، بينما فقط ١٥٪ منه يأتي من التسلسل الجيني المباشر.

 

لماذا هذه المقدمة؟ لأنني أودّ أن أوضح أن الجينات، مع ظروف بيئية معينة، قد تُنشئ نمطًا وراثيًا لا يغيّر من التركيبة الجينية، لكنه غير جيني ويمكن أن يُورث. وهكذا، في ظنّي، يشبه إلى حدٍّ كبير تداخل الروح مع بيئة الجسد، مما يُنتج ما نعرفه الآن بالنفس. هذا اجتهاد مني، وليس ادعاءً.

 

في القرآن الكريم، ورد في مصفوفة “ويسألونك” السؤال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ولم يرد فيها “ويسألونك عن النفس”. وجاء الجواب: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل عُطف عليه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكما نعلم في اللغة العربية، فإن العطف غالبًا ما يضيف معنى جديدًا أو يوضّحه. وهنا، والله أعلم، فإن الجملة المعطوفة توضّح أننا لا يمكننا أن نعرف شيئًا عن الروح بما لدينا من علوم ومعارف، بل حتى الاجتهاد لا يمكن أن يُعيننا في ذلك.

 

ولعل هذا يُفهم أيضًا من قول الحق: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، وهكذا وُجدت حياة الإنسان عندما نفخ ربّ العزة في سيدنا آدم عليه السلام. والله ليس كمثله شيء، وهذا يجعلنا ندرك محدوديتنا في البحث عنه، لأنه لا يخطر حتى على بال بشر.

 

أما النفس، والتي لم ترد في مصفوفة “ويسألونك”، فيمكننا أن نحاول اجتهادًا أن نقول فيها: إن النفس هي ما يتكوّن عندما تدخل الروح الجسد. وقد ورد ذكر النفس في مواضع عدة في القرآن الكريم، ومن ذلك قول سيدنا يوسف عليه السلام:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

هنا ربط السوء بالنفس.

 

وكذلك في سورة النساء:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.

وهذا يدل أيضًا على أن النفس هي المسؤولة عن الأفعال التي تكون عواقبها سيئة على صاحبها.

فالروح دومًا طيبة وطاهرة ونقيّة، ولكن تفاعلها مع الجسد يُنتج هذا النمط الذي هو النفس.

سوء النفس وفسادها لا يؤثر أبدًا على طهارة الروح، ولكن الجسد الفاسد هو ما يجعل النفس تذهب بصاحبها إلى موارد الهلاك.

 

لذلك، على الإنسان أن يعلم أن أعظم اجتهاد له في الحياة هو كبح جماح النفس، وهذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم:

“رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس”.

 

ولعل النفس هي المسؤولة عن التكبر، وحب الذات، والعجرفة، وحب المال والبنين، وما إلى ذلك من الهوى ومشاكل الدنيا، كحب الحكم والتسلط وجمع المال، مما نراه في عالم الناس اليوم.

 

إنها مقاربة غريبة بين تركيبين:

الأول، تفاعل الجينات مع البيئة الذي يُنتج نمطًا وراثيًا يُورّث فيه من الخير والشر ما يكون.

والثاني، تفاعل الروح مع الجسد الذي يُنتج النفس، والتي تُرك لصاحبها الخيار في كيفية قيادتها وإصلاح شأنها، حتى تغادر الروح الجسد، ويُترك الجسد لمصير امتحان تفاعل الروح معه، ليُحاسب الإنسان على ما فعل من خير أو شر، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

والله أعلم.