طريق القوافل الصينية وبناء النفوذ الإقليمي

طريق القوافل الصينية وبناء النفوذ الإقليمي

Loading

عندما أُطلقت مبادرة «الحزام والطريق» الصينية عام 2013، جرى الترويج لها بوصفها رؤية شاملة للربط بين القارات: موانئ وخطوط أنابيب، طرق سريعة وممرات صناعية، توحّد أوراسيا برأس المال والإنشاءات الصينية.
أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتبدو الصورة أقرب إلى فسيفساء. فبدل برنامج واحد شامل، تظهر «الحزام والطريق» هنا كحزمة من الصفقات الفردية؛ ترتكز على النفط في بعض البلدان، وعلى المصانع والخدمات اللوجستية في بلدان أخرى، مع عدد محدود من الدول التي تحظى بأكبر عدد من المشروعات.

ويحصي «مرصد النفوذ الصيني» من شبكة MBN، استناداً إلى تحديثات البوابة الرسمية لمبادرة الحزام والطريق، 418 مشروعاً في 22 دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عام 2021. غير أن هذه المشاريع ليست موزعة بالتساوي. فترتيب الدول حسب عدد المشاريع يكشف فجوة حادة بعد الفئة الأولى: تتصدر السعودية بفارق واسع، تليها الإمارات العربية المتحدة ثم العراق، مع الجزائر ومصر في المراتب التالية. وبعد ذلك، تتجمع معظم الدول عند أرقام أقل بكثير.

وفي وقت أصبحت فيه الصين الشريك التجاري الأول والفاعل الاقتصادي الأكثر نفوذاً في المنطقة على نحو متزايد، يقدّم أسلوبها في تنفيذ مبادرة «الحزام والطريق» نافذة لفهم كيف وأين تضع بكين رهاناتها.

طريق القوافل الصينية وبناء النفوذ الإقليمي

تساعد بيانات «مرصد النفوذ الصيني» بالنسبة لكل دولة على توضيح شكل هذه الشراكات على أرض الواقع. فالسعودية ليست فقط الساحة الأكثر نشاطاً للشركات الصينية المملوكة للدولة، بل هي أيضاً الأكثر تنوعاً. ووفقاً للمرصد، تتوزع المشاريع الصينية في المملكة على قطاعات التصنيع، والطاقة المتجددة، والنفط والغاز، والعقارات، والبنية التحتية للنقل، بما يشكل محفظة أوسع من أي دولة أخرى في قاعدة البيانات.

وبعبارة أخرى، تمثل السعودية المكان الذي تبدو فيه مبادرة «الحزام والطريق» أقرب ما تكون إلى غايتها الأصلية: جهد شامل للاقتصاد بأكمله يمتد من الطاقة إلى القدرات الصناعية والتنمية المحلية، ويتزايد انسجامه مع «رؤية السعودية 2030» التي تستهدف توطين التصنيع، وتوسيع القطاعات غير النفطية، وبناء مراكز صناعية ولوجستية جديدة تتجاوز تصدير الخام.

أما الإمارات العربية المتحدة، التي تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد المشاريع، فتختلف صورتها. إذ تتركز مشاريع «الحزام والطريق» فيها حول الموانئ، وبنية النقل التحتية، والمرافق الصناعية، والعقارات.
ويتسق ذلك مع دور الإمارات كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، حيث تبني الشركات الصينية «النسيج الرابط» للتجارة، من الموانئ إلى المناطق الصناعية. وفي عام 2025 وحده، مُنحت ما لا يقل عن أربعة عقود جديدة لشركات صينية مملوكة للدولة في مناطق خليفة الاقتصادية (كيزاد) في أبوظبي.

أما العراق، الذي يحتل المرتبة الثالثة إقليمياً من حيث عدد مشاريع «الحزام والطريق»، فيُظهر كيف جمعت الصين بين الاستثمار التجاري والمبادرات التنموية. ولا يزال الانخراط الصيني هناك يتركز بشكل كبير على النفط والغاز، بما يعكس دور العراق كمورد رئيسي للخام وسعي الصين إلى تنويع مصادر طاقتها. وفي الوقت نفسه، اضطلعت بكين بأعمال عامة بارزة مرتبطة بإعادة إعمار العراق. ففي أواخر عام 2021، وقّعت السلطات العراقية عقوداً مع شركات صينية، من بينها «باورتشاينا» و«سينوتك»، لبناء ألف مدرسة في مختلف أنحاء البلاد، وهو برنامج استمر خلال عامي 2024 و2025. ويجسّد الجمع بين مشاريع النفط وبناء المدارس مقاربة أوسع لمبادرة «الحزام والطريق» تمزج بين المصالح الاقتصادية ومخرجات تنموية ملموسة للدول المضيفة.

وفي مراتب أدنى، تبرز مصر ليس من حيث عدد المشاريع بقدر ما تبرز بنوعيتها. إذ يتركز النشاط الصيني هناك على التصنيع، وبنية النقل التحتية، والعقارات، ولا سيما في محيط ممر قناة السويس. ويعكس هذا التركيز اهتمام بكين باستخدام مصر كمركز إنتاج ولوجستيات يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، بالتوازي مع مساعي القاهرة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع الطاقة الصناعية.

وفي شمال أفريقيا، تشهد دول مثل الجزائر والمغرب نشاطاً صينياً يتركز على القطاعات المرتبطة بالبناء، وتوليد الطاقة، والنقل، بما يعكس أجندة تنموية تركز على النمو الحضري والبنية التحتية أكثر من الهيدروكربونات.

وعلى امتداد المنطقة، يتكرر حضور قطاع التصنيع في البيانات، ما يجعله أحد أكثر القطاعات شيوعاً في مشاريع «الحزام والطريق» الصينية.
ويعكس هذا النمط سمة أساسية في مقاربة بكين: تطوير مناطق صناعية ومجمعات إنتاجية تجمع المصانع مع شبكات النقل والبنية التحتية الأساسية. وغالباً ما تُرسى هذه المشاريع أو تُطوَّر من قبل شركات صينية مدعومة من الدولة، لكنها تستضيف عادةً مزيجاً من الشركات المملوكة للدولة، والقطاع الخاص الصيني، وشركات محلية. وتشير البيانات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على دولة بعينها، بل يتكرر في عدة دول، بما يدل على جهد أوسع لدمج الشركات الصينية بعمق أكبر في سلاسل الإمداد الإقليمية.