السودان على طاولة الرياض مجددا

Loading

زار رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الرياض الاثنين، حيث التقى بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في زيارة لم تُعلن تفاصيلها بشكل موسع رسميا، لكنها تأتي في سياق تحركات إقليمية ودولية متزايدة لإحياء الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان.

ويرجّح محللون أن الزيارة شكّلت محطة تنسيق رفيعة المستوى لدعم المبادرة السعودية، التي تقود مسارا تفاوضيا منذ اندلاع الصراع، في وقت تتسارع فيه التطورات الميدانية وتتزايد الضغوط الدولية لتثبيت وقف لإطلاق النار.

يقول الصحفي السوداني، محمد شمس الدين، إن الزيارة تعكس “تنسيقا ودعما كاملا” من السعودية للسودان، لا يقتصر على المسار السياسي والدبلوماسي، بل يشمل الجوانب الإنسانية والأمنية والتنموية.

ويشير الخبير العسكري السوداني د. أمين إسماعيل مجذوب إلى “أهمية الزيارة،” إذ جاءت بعد زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة، والتي أسهمت، بحسب قوله، في تعميق إلمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالأزمة السودانية. وأضاف أن الزيارة تمثل خطوة لتطوير مخرجات “منبر جدة” الذي عُقد في مايو 2023.

وبحسب مجذوب، ركزت المباحثات على التعاون الثنائي لإنجاح المبادرة السعودية وإيقاف الحرب، والعلاقات الاقتصادية بين البلدين وسبل دعمها، إضافة إلى مشاركة المملكة في جهود إعادة الإعمار في السودان.

في ما يتعلق بملف وقف إطلاق النار، قال محمد شمس الدين إن قبول حكومة السودان بهذه الخطوة “شأن سيادي” ويرتبط أيضا بالأطراف التي وصفها بـ”المعتدية”، وفي مقدمتها الإمارات و”أدواتها”، مثل قوات الدعم السريع، وقوات حفتر في ليبيا، والجيش التشادي، وحكومة أفريقيا الوسطى، متهما هذه الأطراف بالتواطؤ في تمرير السلاح.

في السياق نفسه، قال المدير السابق لمنظمة “هيومان رايتس ووتش”، كينيث روث، إن المهمة الأساسية هي “وضع حدٍّ للسلوك الإبادي الذي تمارسه قوات الدعم السريع”. وأضاف أن “مجرد وقف إطلاق النار لا يكفي” إذا استمرت هذه القوات المسلحة في ارتكاب المجازر بحق المدنيين.

وتشير الزيارة، بحسب المحللين، إلى تحول في المقاربة الأميركية للملف السوداني، في اتجاه يتماشى مع الضغوط السعودية الداعية إلى تسمية الأطراف المتسببة في الأزمة.

وقال محمد شمس الدين إن الإدارة الأميركية تحركت انطلاقا من مصالحها، مؤكدا أن موقفها “تغير مباشرة بعد زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى واشنطن”.

وأضاف أن هذا التحول انعكس في تسمية الأطراف المعتدية وتوجيه أصابع الاتهام إليها، والشروع في حزمة عقوبات استهدفت أدوات مرتبطة بالمحرّك الرئيسي للعدوان. واستشهد بالعقوبات الأخيرة التي فرضتها واشنطن على شبكة كولومبية تقاتل في السودان، وقال إنها كانت “السبب الرئيسي لسقوط الفاشر والجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين هناك”.

وقال مجذوب إن الولايات المتحدة “تدرك أن السعودية هي الأقرب للملف السوداني”، معتبرا أن واشنطن، بالتنسيق مع الرياض، “يمكن أن تضغط على الإمارات لاتخاذ موقف إيجابي أكثر من المواقف الحالية”، خصوصا في ظل ما ما وصفها بـ”أدلة وشكاوى قدّمها السودان ضد أبوظبي”.

والإمارات، التي وُجهت إليها اتهامات بدعم أطراف في الصراع في السودان، نفت مرارا أي تورط لها في الحرب أو في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في السودان.

 

من جهته، قال محمد شمس الدين إن الضغوط لا تقتصر على المسار الدبلوماسي، بل تشمل الداخل الأميركي، حيث تمارس لجنتا الشؤون الخارجية في الكونغرس “أقوى الضغوط على الإدارة لمنع بيع السلاح للإمارات العربية المتحدة”، وكذلك للدفع نحو تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية. وأضاف أن استجابة الإدارة الأميركية للضغط السعودي باتت “أمرا لا مفر منه”.

أما كينيث روث، فقال إنه يأمل أن يتجاوز ولي العهد السعودي “مجرد التأييد الدبلوماسي للسلام”، وأن يُدين الأطراف الخارجية المتورطة في ما وصفه بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية”.

ويرى المحللون الذين تحدثت معهم “الحرة” أن نجاح الوساطة السعودية سيعتمد على قدرتها على إدارة التوازنات الإقليمية المتشابكة، في حين يبقى تحقيق السلام في السودان مرهونا بمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها، بالتنسيق مع الرياض وأبوظبي وقوى إقليمية أخرى، لتحويل الضغط السياسي إلى التزام عملي بوقف إطلاق النار، ووقف جميع أشكال الدعم الخارجي للصراع.