![]()
يراقب الأردنيون حربا أجنبية، ليسوا طرفا فيها، تجري على أراضيهم، مع تزايد احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بعد انهيار المحادثات التي كانت تهدف إلى إنهاء الصراع.
في الوقت الحالي، لا يبدو أن هناك حالة من الذعر العام أو رد فعل عاطفي واسع بين المواطنين. لكن ذلك قد يتغير إذا وسعت إيران نطاق أهدافها ليتجاوز المنشآت العسكرية الأميركية إلى البنى التحتية الحيوية في المملكة.
وقال مبعوث غربي: “لم يتعرض الأردن لأي ضرر حتى الآن، ولم يُصب أي مدني. الأهداف هي المنشآت التي تستضيف أفرادا ومعدات عسكرية أميركية بموجب اتفاقيات دفاع ثنائية. إنهم يستهدفون الأفراد الأميركيين.”
وحذر المبعوث من أن الضربات الإيرانية أصبحت “أسرع وأكثر تطورا”، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة. وقد تكون طهران حريصة على إلحاق الضرر بالأصول العسكرية الأميركية في الأردن للحد من اعتراض الصواريخ الإيرانية في طريقها إلى إسرائيل، مع تزايد احتمالات اندلاع حرب شاملة تستدعي مزيدا من الانخراط العسكري الإسرائيلي.
ورغم تكرار الهجمات، تمكن الأردن إلى حد كبير من إدارة الأزمة بأقل تكلفة ممكنة. وقال دبلوماسي أوروبي آخر: “لا يوجد أي ذعر في عمّان. الحياة تسير بشكل طبيعي تماما. دوت صفارات الإنذار في أنحاء البلاد يوم الأحد، لكن الأردنيين ما زالوا يتمتعون بقدر لافت من الصمود.”
ويقول مسؤولون إن قواعد الاشتباك الحالية لا تزال قائمة. فقد ركزت الصواريخ الإيرانية على القواعد الجوية الأردنية التي تستضيف قوات أميركية، وليس على أهداف عسكرية أو مدنية أردنية.
وأضاف الدبلوماسي: “لكن إذا شعرت إيران بأنها محاصرة بسبب تصاعد الهجمات الأميركية، وقررت استهداف البنية التحتية الأردنية أو المدنيين، فإن المزاج العام سيتغير. أما الآن، فالأردنيون يشاهدون المشهد وكأنهم يتابعون عرضا وهم يأكلون الفشار”.
ويتوقع مسؤولون أردنيون أن يتصاعد الصراع بعد انهيار المفاوضات. وقال مسؤولان، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، إن إيران رفضت التخلي عن برنامجها النووي، في حين يواصل الرئيس دونالد ترامب وإسرائيل الإصرار على تفكيكه.
ويرى المسؤولان أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أتاح للمتشددين داخل الحرس الثوري الإيراني الهيمنة على عملية صنع القرار، ما قلص هامش الدبلوماسية إلى حد كبير.
وقال أحد المسؤولين: “إسرائيل هي المستفيد الأكبر من مقتل خامنئي. كانوا يعلمون أن المتشددين سيتولون زمام الأمور، ما يجعل التوصل إلى تسوية تفاوضية أقل احتمالا بكثير.”
ويتوقع المسؤولان دخول الصراع مرحلة جديدة تتسم بتكثيف الضربات الأميركية والإسرائيلية على الأهداف العسكرية والبنية التحتية الإيرانية. وقال أحدهما: “كلما ازدادت الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، ازداد الخطر على الأردن بسبب موقعه الجيوسياسي.”
لكن مسؤولا كبيرا آخر يعتقد أن إيران من غير المرجح أن تستهدف المدنيين الأردنيين عمدا.
وقال: “لا يزال الأردن المنطقة المستقرة الوحيدة المحاذية لإسرائيل. وما زالت إيران تحظى بتعاطف لدى شرائح من الرأي العام المناهض لإسرائيل، ولن ترغب في خسارة ذلك. كما أنها تدرك أن أي هجوم مباشر على الأردن سيستدعي ردا قويا من الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا.”
وأضاف مسؤول أمني عربي أن إيران تستهدف بعناية المنشآت العسكرية الأميركية على الأراضي الأردنية، مستندة إلى معلومات استخباراتية تزداد دقة بشأن انتشار القوات الأميركية، ويرجح أنها تحصل عليها من روسيا والصين، حليفتي إيران.
وقال: “سيتعين على الأميركيين التعامل مع هذه التسريبات الاستخباراتية.”
وأكد المسؤولان أنهما لا يتوقعان أن تضغط واشنطن على الأردن أو حلفائها في الخليج للمشاركة المباشرة في أي حملة عسكرية موسعة، لأن كلفة ذلك ستكون مرتفعة للغاية.
قواعد أميركية تحت النيران
تصاعدت المخاوف بعدما قُتل جنديان أميركيان خلال عطلة نهاية الأسبوع في ضربة إيرانية استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية، حيث تتمركز قوات ومعدات عسكرية أميركية بموجب اتفاقية دفاع طويلة الأمد. ولا يزال جندي أميركي آخر في عداد المفقودين، فيما قُتل عنصر ثالث من القوات الأميركية في العراق أثناء تفجير طائرة مسيّرة إيرانية.
وأدت أربع هجمات إيرانية على القوات الأميركية في الأردن خلال خمسة أيام إلى إصابة العشرات، وأثارت تساؤلات بشأن فعالية أنظمة الدفاع الصاروخي.
وقال مصدر عسكري مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية إن الجيش تعامل، ليل الاثنين وصباح الثلاثاء، مع خمس طائرات مسيّرة أُطلقت من إيران.
والأحد، قال الجيش الأردني إنه اعترض ثلاثة من أصل أربعة صواريخ إيرانية أُطلقت باتجاه المملكة، بينما سقط الصاروخ الرابع في منطقة نائية جنوب البلاد من دون أن يسفر عن إصابات.
وقال مسؤول عربي: “أصبحت هذه الآن مشكلة أميركية. سيتعين على واشنطن تعزيز حماية الأردن بعدما نقلت إليه قبل الحرب أصولًا عسكرية رئيسية من الإمارات وقطر ومناطق أخرى.”
وتشمل تلك الأصول طائرات مقاتلة، وطائرات للتزود بالوقود جوًا، وأنظمة رادار، وبطاريات للدفاع الصاروخي.
وأضاف المسؤول: “هذه القوات باقية هنا، ومن المرجح تعزيزها مع استمرار التصعيد. وعلى الرغم من الخسائر الأخيرة، يبقى الأردن أبعد عن ساحة القتال الإيرانية مقارنة بالقواعد الموجودة في الخليج، ما يجعله مركزًا عسكريًا أكثر أهمية بالنسبة للأميركيين.”
موازنة الرأي العام الداخلي
قبل أيام من الهجمات الأخيرة، رفض وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي وصف الوجود العسكري الأميركي في الأردن بأنه “قواعد” أميركية، مؤكداً خلال منتدى أسبن للأمن أن القوات الأميركية منتشرة بموجب اتفاقيات دفاع ثنائية تحترم السيادة الأردنية احترامًا كاملًا.
وتحتفظ أكثر من عشر دول غربية بعسكريين داخل منشآت أردنية بموجب اتفاقيات مماثلة، في إطار دعم التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
لكن هذا التمييز لم ينجح في إقناع كثير من الأردنيين، الذين باتوا يعتقدون بصورة متزايدة أن بلدهم يُسحب إلى حرب بسبب شراكته الاستراتيجية مع واشنطن وإسرائيل.
وردّ معلقون مؤيدون للحكومة بالدعوة إلى تعزيز الوحدة الوطنية.
وكتب الكاتب حسين الرواشدة: “إيران تهاجم بلدنا. وإدانة الهجمات الإيرانية المتكررة واجب وطني، بغض النظر عن الجدل حول المنشآت العسكرية الأجنبية أو موقفنا من إسرائيل.”
وفي المقابل، واجهت الحكومة صعوبة في الموازنة بين الحساسيات الداخلية والواقع العسكري. ففي يوم الأحد، نفى مسؤولون بيانًا سابقًا أصدرته السفارة الأميركية حذّر من هجمات وشيكة، قبل أن يسقط صاروخ قرب مدينة العقبة بعد دقائق فقط.
ويقول منتقدون إن هذه الرسائل تعكس أسلوبًا قديمًا يهدف إلى الحفاظ على صورة الأردن كوجهة سياحية مستقرة، رغم واقع الصراع الإقليمي المتسع.
وفي الوقت نفسه، انتشرت معلومات مضللة على الإنترنت، من بينها منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية تزعم أن مصادر محلية ساعدت في توجيه الضربات ضد القوات الأميركية داخل الأردن.
ومع استمرار الهجمات، توجه قائد الجيش الأردني إلى واشنطن في زيارة عسكرية كانت مقررة مسبقًا، ومن المتوقع أن تركز المحادثات على توسيع التعاون الدفاعي وتأمين معدات عسكرية أميركية إضافية، بحسب مسؤولين.
وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية للأردن بالنسبة لواشنطن بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب. إذ نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أصولًا عسكرية من البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى الأردن، على ما يبدو بعدما فرض عدد من شركاء الولايات المتحدة في المنطقة قيودًا على استخدام أراضيهم في العمليات الهجومية.
ويسمح الأردن للولايات المتحدة باستخدام أجزاء من قواعده الجوية بموجب اتفاقيات ثنائية. ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن الكونغرس الأميركي، يتمركز نحو أربعة آلاف جندي أميركي في قواعد مختلفة داخل المملكة.
ويترك اعتماد الأردن على أكثر من 1.4 مليار دولار من المساعدات الأميركية السنوية، إلى جانب شراكته الأمنية الوثيقة مع واشنطن، هامشا محدودا أمام عمّان لرفض الطلبات العسكرية الأميركية، ما يجعل الأردن دولةً تقع بصورة متزايدة، وإن على مضض، في الخطوط الأمامية للمواجهة الآخذة في الاتساع بين الولايات المتحدة وإيران.