![]()
في الرابع من أكتوبر 2024، بعد أيام من اغتيال أمين عام “حزب الله” في لبنان، حسن نصرالله، أمّ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي صلاة الجمعة في طهران للمرة الأولى بعد انقطاع خمس سنوات.
ظهر خامنئي في المسجد، على عادته عندما كان إماما للصلاة في المدينة، لكنه كان متكئا على بندقية قناصة من نوع “دراغونوف” روسية الصنع، مطوّرة في إيران.
البندقية في صلاة الجمعة، تقليد إيراني أقرّه روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، بعد توليه السلطة في العام 1979، مسنود بتقليد إسلامي متجذّر بأن خليفة المسلمين، أو أميرهم، يحمل السيف في صلاة الجمعة دلالة على استعداده للجهاد والدفاع عن الأمة الإسلامية ضد أعدائها “الكفار”.
أصدر الخميني تعليماته لمحمود طالقاني، أول إمام لصلاة الجمعة في طهران بعد الثورة، بحمل سلاح أثناء خطبة الجمعة، كرمز لاستعداد إيران للقتال والدفاع عن الثورة.
وقد لاحظ الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، الذي تعرف إلى الخميني في فرنسا، وزار إيران قبل الثورة وبعدها، أن حمل السلاح أثناء خطب الجمعة، كان موجودا في العام 1978، وقد اعتمده بعض رجال الدين في خطبهم ضد الشاه.
وبحسب أسعد حيدر في كاتبه “أيام مع الإمام الخميني وبدايات الثورة”، كان للمساجد دور أساسي في جمع السلاح الذي استولى عليه المتظاهرون بعد احتلال ثكنات الجيش. وقد طلب الخميني من الجميع تسليم السلاح إلى المساجد، ثم جرى تشكيل لجان في هذه المساجد لإدارة الأحياء في المدن الكبرى، وقد ترأس هذه اللجان رجال دين يثق بهم الخميني.
وفي حين اقترح بعض الثوار أن يحمل إمام صلاة الجمعة سيفا، جريا على التقليد الإسلامي القديم، حمل طالقاني في النهاية بندقية من طراز (G3) ألمانية الصنع أثناء خطبه. ولم يكن السلاح محشوا بالذخيرة بالضرورة، بل كان بمثابة رسالة رمزية لجهوزية الأمة الإسلامية.
كان ظهور خامنئي في أكتوبر 2024- وكانت خطبة الجمعة الأخيرة للرجل – بحضور البندقية، رسالة واضحة إلى تصدّره المشهد واستعداد بلاده، تحت قيادته، للقتال والانتقام. ولهذا الحضور الرمزي أهمية كبيرة في الوجدان الشيعي الإيراني، ويحمل دلالات كبيرة على أهمية مكانة المرشد أثناء مواجهة الأمة لخطر خارجي ووجودي. ويمكن لمن يدقق في صورة خامنئي مع البندقية، ان ينتبه إلى استحداث فتحة في المنبر، أشبه بغمد السيف، لتثبيت طرف البندقية فيها.
مثّل اغتيال خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير إزاحة للرمزية التي كان يجسّدها وللحضور المسلّح المرتبط بها. كما بدا محاولة لزعزعة النظام عبر ضرب قيادته الدينية والعسكرية، وهما سلطتان اجتمعتا في شخص خامنئي.
ويمتد هذا التداخل بين الدين والسلاح إلى عدد من رجال الدين في إيران، الذين يجمعون بين العمامة والبندقية. ويظهر ذلك خصوصا في صلوات الجمعة عندما يشعر النظام بالتهديد، بينما تتراجع هذه الرمزية في فترات الاستقرار.
وقد ظهر خامنئي مرارا في خطب الجمعة من دون بندقية، لكنه ظهر أيضا في عشرات الصور وهو يتكئ عليها.
يشرح الباحث وأستاذ علم الاجتماع السياسي سعود المولى لـ”الحرة”، أن الخميني ذكر في كتابه “تحرير الوسيلة” مسألة السلاح وصلاة الجمعة، حيث يقول إن الخطيب يُستحب أن “يخطب قائما معتمدا على شيء من سيف أو عصا أو سلاح، أو غير ذلك، مما يعطيه هيبة ويعينه على القيام”. وهذا النص هو المستند الشرعي الذي جرى الاستناد عليه لتبديل السيف بالبندقية كنوع من مواكبة العصر.
بحسب المولى، “يهدف الاعتماد على السلاح خلال صلاة الجمعة إلى تحقيق مسألتين: هدف عملي وهو إعانة الخطيب على وقوفه وثباته، وهدف رمزي وهو إظهار عزة الدين وقوة الدولة، وهو ما تعتمده السياسة الإيرانية اليوم بحمل البندقية لإرسال رسائل ردع سياسية وعسكرية”.
منذ اغتيال الرجل واختيار ابنه مجتبى لخلافته في منصب المرشد الأعلى، غابت تماما هذه الصورة الرمزية للمرشد وسلاحه في صدارة المشهد، في خضم الحرب الوجودية التي يخوضها النظام.
عدم ظهور مجتبى خامنئي في أي صورة او تسجيل صوتي، بسبب إصابته الشديدة، أو ربما بسبب موته (تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اعتقاده بنسبة تسعين في المئة أن مجتبى ميت)، تسلب النظام هذه الرمزية القوية في القيادة العليا التي تجمع بين مركزية العمامة ومركزية السلاح.
ومع أن أئمة الجمعة في طهران ومدن إيرانية أخرى، تقصّدوا لبس الزي العسكري وحمل بنادق كلاشينكوف، أثناء خطبهم بعد اغتيال علي خامنئي، دلالة على جهوزية الملالي للحرب والقتال والانتقام، يترك غياب المرشد الأعلى بشخصه وبندقيته، فراغا كبيرا، يرى مراقبون أن من يملأه هو الحرس الثوري والعسكر، في تراجع للعمامة لصالح البندقية.
يوضح المولى أن الصعود غير المسبوق لـ”عسكرة النظام” أدى إلى جعل الحرس الثوري الإيراني اللاعب الأقوى والمهيمن الفعلي على صياغة القرار السياسي والعسكري، محولا الجمهورية الإسلامية إلى نظام سياسي وأمني يحكم بقبضة العسكر خلف واجهة مدنية براغماتية يمثلها الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.
لكن الباحث اللبناني، الذي خبر الثورة الإيرانية عن قرب، يرى أن هذه العسكرة “تصطدم بنيويا بمزاج المجتمع الإيراني، الذي أظهر في مختلف الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة نفورا من العسكر”. ويشير إلى أن أي شخصية من خلفية الحرس لم تصل إلى الرئاسة، باستثناء محمود أحمدي نجاد عام 2005، وأن التزوير الواسع الذي رافق إعادة انتخابه عام 2009 أشعل احتجاجات الحركة الخضراء.
وبهذا يمكن الاستنتاج بأنه رغم تنصيب مجتبى خامنئي مرشدا أعلى، عجّل غيابه، بما يمثله كـ”الرجل الأول المطلق”، كما يقول المولى، في عسكرة القرار الإيراني ونشوء قيادة جماعية واقعية مشتركة يقودها الحرس الثوري والتيار المحافظ البراغماتي. والتحدي الكبير أمام النظام هو “قدرة هذه القيادة الهجينة على تسويق التنازلات داخليا، وهندسة بقاء الدولة تحت مظلة مرشد محجوب بالضرورات الأمنية”.