![]()
أثارت حملة واسعة لمكافحة الفساد في العراق توترا داخل القوى الشيعية الحاكمة، بعد أن امتدت التحقيقات إلى مسؤولين حاليين وسابقين، وبدأت كتل سياسية تتبادل ملفات تتعلق بخصومها، وفق مصادر سياسية وقضائية تحدثت إلى “الحرة”.
وتُعرف الحملة محليا باسم “صولة الفجر”. وقد أمر بها رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تعهد منذ توليه منصبه في مايو بملاحقة الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وفي 28 يونيو، اعتقلت قوات الأمن سياسيين ونوابا ومسؤولين حكوميين كبارا ضمن الحملة.
وقال مصدر قضائي مطلع على التحقيقات إن السلطات أوقفت حتى الآن نحو 27 متهما في القضية المرتبطة بوكيل وزارة النفط لشؤون التكرير عدنان الجميلي، وضبطت مبالغ تتجاوز 250 مليون دولار، لم يكتمل إحصاؤها بعد.
وأضاف المصدر أن نحو 40 شخصية أخرى مشمولة بالملف لم تُعتقل حتى الآن.
وكان الجميلي قد اعتُقل في وقت سابق بتهم فساد. وقالت المصادر إن إفادات الجميلي ربما ساعدت المحققين في كشف شبكات مالية مرتبطة بعقود حكومية ومنافذ حدودية وبرامج للدعم الحكومي.
ولطالما تعرضت الحكومات العراقية لانتقادات بسبب اقتصار حملات مكافحة الفساد على موظفين ومسؤولين من المستويات الإدارية المتوسطة، فيما ظلت شخصيات سياسية نافذة بعيدة عن الملاحقة.
لكن اتساع التحقيقات هذه المرة بدأ ينعكس على العلاقات بين الكتل.
وقالت مصادر سياسية لـ”الحرة” إن بعض القوى قدمت ملفات ضد خصومها، بينما تدرك أن خصومها يفعلون الشيء نفسه.
وأضافت أن اجتماعا حديثا لقادة الإطار التنسيقي غلب عليه التوتر، دعا خلاله بعض المشاركين إلى فتح ملفات وزارات يسيطر عليها منافسون سياسيون.
وقال سياسي شيعي بارز، مرشح لتولي حقيبة وزارية في الحكومة الحالية، إنه تعرض لضغوط للتخلي عن حصته.
وأضاف لـ”الحرة”: “ربما سأُستبعد من الحصول على وزارتي. بعض الكتل التي أتحالف معها هددتني بالتخلي عن حصتي أو الذهاب باتجاه فتح ملفات علي”.
وطلب السياسي عدم نشر اسمه بسبب حساسية المفاوضات الجارية. وقد تولى حقيبة وزارية في حكومة سابقة، ويقيم حاليا خارج العراق، وبدأ في الفترة الأخيرة ينافس قوى أكبر على حصصها في الوزارات.
وتظهر رواية السياسي أن ملفات الفساد أصبحت جزءا من المساومات التي ترافق توزيع المناصب والوزارات منذ عام 2003.
وفي 11 يوليو، دعا رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية، عمار الحكيم، إلى محاكمات علنية لـ”كبار المتهمين بالفساد”، وعدم التساهل مع أي اعتداء على المال العام، بصرف النظر عن الموقع أو الانتماء السياسي.
وجاءت تصريحاته بعد أيام من اعتقال مدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية، حسين طالب، المحسوب على تيار الحكيم، ضمن حملة طالت مسؤولين حاليين وسابقين.
ولم يحدد الحكيم، ولا القوى الأخرى التي أصدرت مواقف مشابهة، الأسماء التي تقصدها بعبارة “كبار الفاسدين”.
وقال فهد الجبوري، عضو تيار الحكمة، إن الإطار التنسيقي أعلن دعمه للحملة واتفق على عدم حماية أي فاسد.
وأضاف أن الزيدي أبلغ قادة الإطار، خلال اجتماع مؤخرا، بأنه مستمر في هذا المسار “حتى لو كلف الأمر حياته أو اغتياله”.
وقال الجبوري: “الإطار التنسيقي اتفق على عدم حماية أي فرد من الأفراد المتورطين بملفات فساد، وهذا أمر إيجابي نوعا ما”.
ويرى سعيد ياسين، العضو السابق في المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، أن الخلاف السياسي الذي قد تسببه الحملة لا ينبغي أن يكون سببا لوقفها.
وقال لـ”الحرة”: “لا يهم أن تخلق حملة مكافحة الفساد أزمة بين القوى السياسية. الأهم أن تكون هناك حكومة قوية تستمر في حملتها”.
لكن تجارب سابقة أظهرت أن الخلافات داخل القوى الشيعية كثيرا ما انتهت إلى تفاهمات وتسويات، خصوصا عندما اقترب التصعيد من المصالح المشتركة أو يهدد التوازنات السياسية القائمة.
وقال الباحث والأكاديمي، عباس عبود، إن الدعوات إلى محاسبة كبار الفاسدين لن تقود بالضرورة إلى صراع سياسي مفتوح، لأن القوى نفسها متداخلة، بدرجات مختلفة، في منظومة الفساد.
وأضاف: “الصراع عادة ينشأ عندما تكون هناك جهة تسعى لمواجهة الفساد في مقابل جهة متورطة فيه، لكن المشهد الحالي يوحي بأن الجميع متداخل بدرجات متفاوتة، مع اختلاف في حجم التورط لا في طبيعته”.
ويزيد هذا التداخل من مخاوف استخدام التحقيقات للضغط السياسي، ولا سيما إذا اقتصرت الإجراءات على ملفات أو شخصيات محددة.
وقال الكاتب والصحافي، وليد إبراهيم، إن أي رئيس وزراء سيواجه مقاومة إذا اقتربت التحقيقات من القوى التي أوصلته إلى منصبه.
وأضاف لـ”الحرة”: “لن يستطيع الزيدي ولا أي رئيس وزراء آخر أن يذهب إلى نهاية المطاف في عملية مكافحة الفساد، لأن هذا يعني أنه سيكون بمواجهة الطبقة السياسية التي أوصلته للمنصب، وهي التي تملك القوة القانونية والدستورية لإسقاطه”.
ولا تزال عشرات الشخصيات المشمولة بالتحقيقات خارج التوقيف، ولم يتضح بعد ما إذا كانت الإجراءات ستطال شخصيات قيادية في القوى النافذة.