![]()
كشفت ثلاثة مصادر في “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم في العراق عن انزعاج إيراني واسع أعقب لقاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن.
وقالت المصادر إن الزيارة حملت إشارات سياسية أثارت قلق طهران بشأن مستقبل نفوذها في العراق.
وكان ترامب قد استقبل الزيدي، الثلاثاء، في أول زيارة خارجية يقوم بها رئيس الحكومة العراقية منذ أن صوّت البرلمان على حكومته في منتصف مايو. وخلال اللقاء، حث الرئيس الأميركي الزيدي على إنهاء النفوذ الإيراني في العراق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى توسيع تعاونها الاقتصادي والأمني مع بغداد.
وبحسب المصادر، التي تشغل مواقع مختلفة داخل الإطار التنسيقي، شهدت الساعات الأربع والعشرون التالية للقاء اتصالات مكثفة بين مسؤولين إيرانيين وعدد من قادة التحالف الحاكم.
وقالت المصادر إن مسؤولا إيرانيا نقل إلى قيادات عراقية استياء طهران من نتائج الزيارة، محذرا من أن ترامب “يريد السيطرة عليكم وعلى مواردكم، ولا يعرف العراق ولا أي شيء عنه”.
لكن الاعتراض الإيراني، وفق المصادر، لم يبدأ بعد اللقاء. فقد حاولت طهران قبل الزيارة إقناع الزيدي بأن تكون محطته الخارجية الأولى إيران، لا الولايات المتحدة، وأجرت اتصالات عدة في هذا الاتجاه، إلا أن رئيس الوزراء تمسك ببرنامج زيارته إلى واشنطن.
وتنظر إيران إلى العراق باعتباره أحد أهم مجالات نفوذها في المنطقة. فمنذ الغزو الأميركي عام 2003، بنت طهران شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، ودعمت فصائل مسلحة هيمنت لاحقا على المشهد السياسي والأمني في العراق.
وقال النائب السابق سجاد سالم، المعروف بمواقفه المعارضة لبقاء السلاح خارج الدولة، إن إيران لن تتخلى بسهولة عن نفوذها في العراق، خصوصا بعد التغيرات التي شهدتها ساحات أخرى في المنطقة.
وأضاف: “إيران لن تترك العراق، خاصة مع المتغيرات في اليمن ولبنان وخسارة سوريا بالكامل. العراق هو آخر مناطق النفوذ الإيراني، أو الأمن القومي الإيراني، ولذلك ستتمسك به أكثر”.
ويرى سالم أن ملفات مكافحة الفساد وحصر السلاح قد تواجه عراقيل ما لم تتوصل الحكومة إلى تفاهم مع طهران. وقال: “إيران تستخدم أوراقها بهدوء وحذر، لكنها قادرة على إيقاف الإصلاحات في العراق”.
وبحسب مصادر الإطار التنسيقي، حاولت طهران بعد ذلك احتواء تداعيات الزيارة سياسيا وإعلاميا، واستثمرت مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي لترتيب لقاء بين الزيدي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وقالت المصادر إن الجانب الإيراني حرص على التقاط صورة تجمع الرجلين، لتكون أول صورة رسمية للزيدي مع رئيس دولة، في محاولة لإظهار أن طهران لا تزال الشريك الأقرب لبغداد رغم انفتاحها المتزايد على واشنطن.
وأضافت أن مسؤولا إيرانيا اجتمع على هامش مراسم التشييع مع قياديين في الإطار التنسيقي، وسألهم: “لماذا تعتقدون أننا سنترك العراق؟”.
واعتبرت المصادر أن العبارة تعكس اعتقاد طهران بأن النفوذ الذي بنته خلال العقدين الماضيين لن يتراجع بسهولة، حتى مع عودة الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في العراق.
كما رأت أن زيارة واشنطن مثلت ضربة سياسية للفصائل المسلحة الموالية لإيران، خصوصا أنها تزامنت مع تجديد الزيدي التزامه بحصر السلاح بيد الدولة.
وأكد رئيس الوزراء، خلال وجوده في الولايات المتحدة، أنه لن يسمح ببقاء أي تشكيل مسلح خارج المؤسسات الرسمية بعد 30 سبتمبر، وهو تعهد يضع حكومته في مواجهة محتملة مع الفصائل التي ترفض التخلي عن سلاحها.
وفي أول رد فعل علني من معسكر الفصائل، صعّدت حركة النجباء خطابها ضد الولايات المتحدة. وهاجم أمينها العام، أكرم الكعبي، ترامب، ورفض ما وصفه بمحاولات فرض الهيمنة الأميركية على العراق.
كما دعا الحكومة إلى إنهاء عمل الشركات الأميركية في قطاع الكهرباء واستبدالها بشركات أخرى، في موقف جاء بالتزامن مع حديث بغداد وواشنطن عن اتفاقيات اقتصادية واسعة.
وكان ترامب قد أعلن أن الولايات المتحدة والعراق يتجهان نحو شراكة كبيرة في قطاع النفط، إلى جانب اتفاقيات تشمل الطاقة والاستثمار والتجارة وقطاعات أخرى.
ووصف الرئيس الأميركي إيران بأنها “عبء كبير” على العراق، وقال إن هذا الواقع “سينتهي قريبا”، مشيدا في الوقت نفسه بأداء الزيدي، ومعتبرا أنه يقوم بعمل جيد وسيبقى في منصبه “لفترة طويلة”.
وتضع هذه التطورات العراق أمام مرحلة جديدة من التنافس الأميركي الإيراني، تتركز بدرجة متزايدة على النفوذ السياسي والاقتصادي، بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة.
فواشنطن تسعى إلى تعزيز حضورها من خلال الاستثمار والطاقة ودعم الحكومة في مشروع حصر السلاح، بينما تنظر طهران إلى هذا المسار باعتباره تهديدا لأحد أهم مراكز نفوذها الإقليمي.
ويبدو أن القلق الإيراني لا يتعلق فقط بالاتفاقيات الاقتصادية المحتملة، بل أيضا بالرمزية السياسية للزيارة. فاختيار واشنطن لتكون أول محطة خارجية رئيسية للزيدي قد يُنظر إليه في طهران بوصفه مؤشرا إلى تغير أولويات بغداد، أو محاولة لإعادة التوازن إلى علاقاتها الخارجية.
أما الحكومة العراقية، فتسعى إلى استثمار التقارب مع الولايات المتحدة للحصول على مكاسب اقتصادية واستثمارية، وتعزيز موقعها في الداخل من خلال ملف حصر السلاح.
لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الزيدي على التعامل مع نفوذ إيران ورفض الفصائل المسلحة لأي خطوات تعتبرها استهدافا لوجودها أو تقليصا لدورها في المعادلة العراقية.