الشاذلي المادح: المخابرات حين تطلق مبادراتها.. المسألة أعمق مما يتبادر

Loading

الشاذلي المادح: المخابرات حين تطلق مبادراتها.. المسألة أعمق مما يتبادر

يثار الكثير من اللغط والجدل حول طبيعة الأدوار التي تلعبها أجهزة المخابرات عندما يتجاوز نشاطها المفهوم التقليدي للأمن المخابرات وتطلق مبادرات وتؤسس واجهات مدنية وثقافية وإعلامية.. وقد يرى البعض في هذا الحراك نوعاً من الازدواجية أو التغول على مهام مؤسسات الدولة الأخرى. بيد أن القراءة العميقة لفلسفة الأمن القومي تكشف أن جهاز المخابرات بطبيعته وبحكم مهامه يمثل (الكل) الذي يغطي كافة أنشطة الدولة والمجتمع. فدور الأجهزة الذكية في العالم لا يقف عند حدود الرصد والمتابعة بل يمتد ليكون ظهيراً مكملاً ومسدداً للثغرات ومساعدا للمؤسسات الحكومية والأهلية وحتى المبادرات الفردية طالما أن ذلك النشاط يصب في مصلحة البلاد العليا ويسهم في تحقيق أمنها القومي والذي تشكل الثقافة والهوية أحد أبرز ركائزه.

وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح شديد عند النظر إلى تجربة (شركة روان للإنتاج الإعلامي والفني) باعتبارها نموذجاً حياً لكيفية تحول الواجهة الأمنية إلى حارس أمين للتراث القومي وداعم أساسي للوجدان السوداني.. ولعل الدليل الأبرز على هذا الدور الحيوي هو ما جرى مؤخراً في عملية تعقب وتتبع القطع الأثرية السودانية المهربة من المتحف القومي، إذ ارتكزت جهود الحصر والتوثيق الرسمية على فيلم وثائقي أنتجته شركة (روان) في مطلع الألفينات. هذا الفيلم الذي تُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية أحتوى على تصوير دقيق وشامل وممتلئ بالتفاصيل لكل قطعة أثرية كانت ترقد داخل المتحف مما وفر قاعدة بيانات بصرية وفنية لا تقدر بثمن قادت مشروع الوزارة المختصة لحصر المفقودات واسترداد تاريخ الأمة المنهوب.

ولم يكن هذا الإنجاز معزولاً بل جاء امتداداً لسلسلة من مئات المشروعات النوعية التي قادتها الشركة.. فهي أول من أنتج السلسلة الوثائقية الشهيرة (النيل ممالك وحضارات) مستصحبةً قامات علمية وتاريخية من الوزن الثقيل في مقدمتهم البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم والدكتور صلاح عمر الصادق ووفرت إنتاجا غير مسبوق. وتفردت (روان) بتقديم أفلام مخدومة إنتاجياً وبذخ فني يعكس عظمة الحضارة السودانية في طره وروكرو وفاشر السلطان حيث متحف السلطان علي دينار. كما امتدت كاميراتها بمسؤولية وطنية إلى جبال النوبة لتوثق لتاريخ السلطان علي الميراوي والسلطان عجبنا وتحتفي بالطقوس الثقافية والاجتماعية التي تزخر بها المنطقة كرقصة “الكمبلا” والمصارعة وإرث قبيلة البرداب وصناعاتها التقليدية كصناعة الزيت مما جعلها حائط صد لحماية التنوع الثقافي السوداني من الاندثار.

ولم تقتصر مساهمات (روان) على التوثيق التاريخي فحسب بل امتدت لتحدث حراكاً مشهوداً في خارطة الفن والثقافة متجاوزةً كافة التصنيفات السياسية أو الجهوية الضيقة.. لقد عملت الشركة مع الكل وإنحازت للإبداع وحده فقدمت مخرجين محسوبين على تيار اليسار نال بعضهم جوائز دولية رفيعة بفضل إنتاجاتها ووقفت بقوة داعمةً للمسرحيين والدراميين السودانيين في أوقات عصيبة وتوجت هذا الحراك بمنتدى أسبوعي شكل ظاهرة ثقافية فريدة ومركز استقطاب للمبدعين لدرجة أن أمسية واحدة من أمسيات هذا المنتدى استطاعت أن تجمع أربعة من عمالقة الشعر السوداني والوزن الثقيل في وقت واحد: محي الدين فارس، مصطفى سند، سيف الدين الدسوقي وعبد الله النجيب.. ولتأطير هذا الوعي رفدت (روان) المكتبة السودانية بثلاث مجلات رائدة: مجلة “المنتدى” التي كانت توثق لحلقات المنتدى الاسبوعي ومجلة “أوراق” التي خصصت للمقالات الثقافية والأدبية الرصينة التي تناقش القضايا الكلية للأمة ومجلة “ملامح” بوصفها أول مجلة مصورة في السودان.. إن هذه التفاصيل الكثيرة تبرهن على أن العمل الأمني الذكي هو الذي يدرك أن حماية الوطن تبدأ من حماية هويته وفنونه وتاريخه وهي المساحة الاستراتيجية التي تفوقت فيها (روان) وتركت خلفها أثراً لا يمحى.