مستقبل البلاد.. خارطة طريق (٩)

Loading

بقلم/ علي عبد الكريم

أعتقد أن خارطة طريق مستقبل البلاد تكمن في معنى الجملة التي وردت في حديث رئيس مجلس السيادة في معايدته للقوات المسلحة حسبما أورد إعلام مجلس السيادة، إذ قال: “لقد وفقنا في استعادة بناء السودان، ونستطيع في المستقبل أن نعيد بناء الدولة السودانية على أسس وطنية صحيحة”. حقاَ فقد ثبت أن كل ما بنيت عليه الدولة السودانية لم يكن صحيحاً ولا واقعياً.. ذلك رغم محاولات التجميل والادعاءات عبر الخطب وما يقوله السياسيون من تنظيرات، وما يقدمه الاستراتيجيون من فلسفات، ورغم بهرجة المحتفلين عبر البرامج والأغنيات، وما تعرضه المهرجانات من رقصات وغيرها من الفنيات..!

وأنا عندما أتأمل هذا التناول لحالة البلاد خلال العقود الماضية عبر تلك الأشكال خاصةً من أصحاب الاستراتيجيات، أتساءل لماذا القفز فوق الواقع، هل نحن لا نرى عوجة رقبتنا كما يقول المثل..!!

حقاً أن حل مشكلة البلاد ووضعها على طريق الاستقرار والنهضة يكمن في تجاوز كل الماضي.. والتخطيط للمستقبل على أسس صحيحة كما جاء في كلمة رئيس مجلس السيادة.

مطلوب أن نتجاوز ما مضى ونخطط لما هو آت.. ويبقى السؤال هل نستطيع أن نحقق ذلك.. وكيف؟!

وبقدر تفاؤلي بمعنى هذه الجملة التي وردت في معايدة رئيس السيادة، بقدر ما اخشى ان يذهب معناها ادراج الرياح، خاصة وقد تبعها حديث عن حوار سياسي، وما أدراك ما الحوار السياسي؟! ..
واذا كان لي من قول للرئيس بل لكل أعضاء مجلس السيادة الذين وضعتهم الأقدار في هذا الظرف التاريخي الذي تمر به البلاد – وضعتهم في موقع المسؤولية، ويالها من مسؤولية.. أقول عليهم التمسك بطرح “بناء الدولة السودانية على أسس وطنية صحيحة”.. واضيف إلى قولي هذا ما اعتبره نصيحة وهي: إذا أرادوا النجاح في ذلك عليهم دراسة ما جاء في مقال المؤرخ جيرار برونييه عن السودان وهو المقال الذي وصفه البعض بأنه مؤلم ولكنه ملئ بالحقائق.

تأمل المقال يجعلنا نصرف النظر عن أي حوار سياسي في هذه المرحلة، فجيرار يقول: (إن السودانيين “شعب اجتماعي” رائع.. كرم، تكاتف أسري، شهامة لكنهم لم يتحولوا بعد إلى شعب سياسي يمتلك عقداً اجتماعياً يحمي الدولة).. وأضاف: (سرعان ما يتحول الخلاف السياسي إلى حرب وجودية وان المتقاتلين لا يشعرون أن هذه المؤسسات تخصهم وجدانياً).. وأكثر من ذلك وبما هو أكثر دقة وصف برونييه خلافات السياسين السودانيين بأنها مدعاة لأن يستقوون بالخارج عكس ما يحدث في أي دولة فقال: (في السودان غالباً ما يتم الاستقواء بالخارج ضد الأخ في الداخل).. وأضيف من عندي: الدليل ة مقولة سفارة، سفارة..!!

وإذا كنت قد ركزت في حلقات مقالاتي السابقة من سلسلة (مستقبل البلاد.. خارطة طريق) – ركزت على ضرورة التخلص من مركزية الخرطوم التي هي أس البلاء وسبب الشقاء، فقد دعم مقال المؤرخ جيرار دعوتي فقال من مشكلات السودان أنه لا يوجد أي رابط وجداني بين المركز والأقاليم وضرب في ذلك الأمثلة والمقارنات.

خلاصة الأمر وهو ما أحسبه نصيحة لرئيس مجلس السيادة والمجلس كله أن اعكفوا على دراسة مقال جيرار وجمدوا أي عمل سياسي الآن، واعملوا على بناء عقد اجتماعي جديد يحفظ لكل إقليم حقه وينهي مركزية الخرطوم بوزاراتها ويكتفي بوزارات ولائية.
وإذا كنت اتفق مع تحليلات جيرار – وأعتقد كل من يقرأها يتفق معها إلا من اعتاد إغماض عينيه – إذ كنت اتفق مع كل ما جاء فيها إلا أنه ليس بالضرورة أن اتفق معه في الصورة القاتمة التي رسمها لمستقبل البلاد، و يبقى الأمل أن تأخذ قيادة البلاد الأمر بقوة وجدية وموضوعية وعقلانية وشمولية.. بعيداً عن أي حساسات أو تخوفات أو مجاملات أو عواطف.. البلد تحتاج عملية جراحية قاسية حتى تستقر وتنهض. الحديث يطول ويتشعب ة، حفظ الله البلاد وألهم أهلها الرشاد.