حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: ديون الصين..

Loading

الاثنين 29 يونيو 2026

وقّع السودان مع الصين أمس بروتوكولاً لإعفاء أربعة قروض غير ربحية، بحوالي 50 مليون دولار، تمثل أقل من 1% من حجم الديون الصينية على السودان.

رغم أن المبلغ متواضعاً قياساً بالمتبقي، إلا أنها خطوة مهمة للغاية في الاتجاه الصحيح. وترتبط هذه الخطوة بجملة شروط أخرى حتمية، حتى تستعيد العلاقات الثنائية قوتها، بل وتنطلق في آفاق أوسع وبسرعة أكبر.

خلال تسعينيات القرن الماضي، اختارت الصين – في سياق سعيها لتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع أفريقيا – السودان ليكون موطئ قدمها الأول في القارة، وذلك مباشرة بعد إعلان واشنطن مقاطعتها الاقتصادية للسودان. والتقت مصالح البلدين في وقت كان السودان يبحث فيه عن ثقب إبرة لاختراق العزلة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية الدولية.

وبرز الدور الصيني عملاقاً في قطاع النفط السوداني، حيث تولت استكمال الاستكشافات وبناء الحقول، ثم تشييد أنبوب تصدير النفط من أقصى جنوب السودان إلى ساحل البحر الأحمر، ومصفاة الخرطوم التي وفرت إمدادات من الوقود للسودان وبعض دول الجوار.

وكانت الصين تطمح إلى تمديد شراكاتها إلى مشاريع عملاقة أخرى، منها مطار الخرطوم الدولي الجديد بجنوب أم درمان. لكن سوء إدارة هذه العلاقة من الجانب السوداني نخر كالسوس في عظمها، وأضعفها إلى أن أجهز عليها تماماً. لم يفِ السودان بالتزاماته، وتورط في فوضى الديون السهلة التي لا يُعرف حتى الآن أين ذهبت.

ولم تكن الصين وحدها؛ فقد تعرضت علاقات السودان مع دول أخرى للسيناريو ذاته: لهفة في الحصول على الديون تحت ذرائع مشاريع لم ترَ النور، منها الهند وروسيا وماليزيا وغيرها.

وتوقفت الشراكات والعلاقات الاقتصادية مع الصين ودول أخرى كثيرة، بسبب إفراط الحكومة السودانية في الاقتراض دون أي جهد – أو حتى مجرد تفكير – في ردّها أو جدولتها عند موعد السداد.

الآن، لا يُقرأ توقيع بروتوكول إعفاء أربعة قروض بمقدار الديون المُعفاة، بل باعتباره خطوة لإبراز جدية في التعامل مع ملف الديون، ليس مع الصين وحدها، بل مع بقية دول «بريكس»، في وقت يزداد فيه نهم الدول الصناعية الكبرى للشراكات الاقتصادية مع أفريقيا.

مطلوب من السودان أن يتبنى خطة استراتيجية علمية وعملية واضحة المعالم، تطمئن – بل وتجذب – الدول الكبرى للانخراط والتوسع في شراكات اقتصادية كبرى، تتيحها موارد السودان الهائلة في مختلف المجالات.

النظر إلى هذه الخطوة من هذه الزاوية يعني أنها صافرة انطلاق مباراة حامية وشاقة، لإطلاق السودان في فضاء واسع.