كيف توصلت باكستان وقطر إلى الاتفاق الأميركي الإيرانياستفادت إسلام آباد والدوحة من خبرتهما الدبلوماسية وعلاقاتهما مع واشنطن وطهران لوضع خريطة طريق لاتفاق يهدف إلى إنهاء ما يقرب من نصف قرن من العلاقات العدائية بين الولايات المتحدة وإيران.

Loading

أعلنت باكستان وقطر، الاثنين، اختتام القمة الأولية بنجاح في منتجع فاخر يطل على بحيرة لوتسرن السويسرية، حيث أطلق قادة الولايات المتحدة وإيران مفاوضات بشأن خريطة طريق للتوصل إلى اتفاق سلام خلال ستين يوماً.

لكن الوسيطين لا يريان أن دورهما قد انتهى بعد. وقال البلدان الجاران لإيران في بيان مشترك صدر في 22 يونيو: «ستواصل الأطراف الوسيطة بذل أقصى جهودها لضمان استمرار المفاوضات في أجواء بناءة وصولاً إلى اتفاق نهائي».

وتهدف مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، كما يُعرف رسمياً الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، إلى التوصل إلى اتفاق شامل بين الخصمين اللذين امتد عداؤهما لعقود. وتشمل المفاوضات معظم القضايا العالقة التي غذّت العلاقات العدائية المتبادلة بينهما منذ أن حولت الثورة الإسلامية عام 1979 طهران من حليف لواشنطن إلى أبرز خصومها في الشرق الأوسط.

وتنص مذكرة التفاهم على إنهاء الحرب رسمياً، وتمديد وقف إطلاق النار على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز. كما جددت طهران التزامها بعدم تطوير أسلحة نووية وسمحت باستئناف الرقابة الدولية على برنامجها النووي. وسيواصل الطرفان التفاوض بشأن التفاصيل المتعلقة بهذه النقطة قبل التوصل إلى اتفاق نهائي. ومن جانبها، وافقت واشنطن على تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية والامتناع عن فرض عقوبات جديدة خلال فترة المحادثات، مع احتمال تقديم حوافز اقتصادية كبيرة إذا وقعت طهران الاتفاق النهائي.

وكان قائد القوات المسلحة الباكستانية، المشير سيد عاصم منير، قد مهد الطريق نحو مذكرة التفاهم في أواخر مارس. واستناداً إلى العلاقات الوثيقة التي نسجها خلال العام ونصف العام الماضيين مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى علاقاته الودية مع نظرائه الأمنيين في إيران، أطلق منير جهداً دبلوماسياً لوقف الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي كانت قد دخلت شهرها الأول آنذاك. وجاءت أولى الإشارات العلنية إلى مبادرة إسلام آباد في 24 مارس على لسان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

وبعد أسبوعين، في الثامن من أبريل، توسطت إسلام آباد في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران بعد أربعين يوماً من القتال المتواصل. أما إسرائيل، التي لم تكن طرفاً في تلك المحادثات أو المحادثات اللاحقة، فقد واصلت هجومها ضد حزب الله في لبنان، وهو ما وصفته طهران وإسلام آباد بأنه انتهاك لروح الاتفاق.

وفي 11 أبريل، سهّلت إسلام آباد أعلى مستوى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة منذ 47 عاماً. فقد خاض وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس 21 ساعة من المفاوضات مع كبار المسؤولين الإيرانيين بقيادة رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف. ورغم أن تلك المحادثات انهارت في نهاية المطاف، فإنها أبقت الباب مفتوحاً أمام مزيد من الدبلوماسية ومنعت استئناف حرب شاملة بين البلدين.

ومع الاستفادة من الإجماع الإقليمي بين دول الخليج العربية على ضرورة إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، دخلت قطر على خط المناقشات في تلك الفترة وبدأت في استكمال الجهود الباكستانية. وخلال السنوات الأخيرة، بنت الدولة الغنية بالغاز سمعة باعتبارها وسيطاً في النزاعات بين أطراف غالباً ما تتردد في التواصل المباشر، بما في ذلك الاتفاق الذي أُبرم عام 2020 بين واشنطن وحركة طالبان، والذي أدى إلى الانسحاب السريع للقوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي من أفغانستان.

وخلال الأسابيع التالية، عمل المفاوضون القطريون على تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة بشأن جميع القضايا العالقة المهمة. ووفقاً لما أوردته صحيفة فايننشال تايمز، سافر الوسيطان القطريان المخضرمان علي الثوادي وحمد الكبيسي إلى طهران، كما التقيا مسؤولين أميركيين. واستضافت الدوحة أيضاً شخصيات إيرانية بارزة في إطار جهودها لمنع العودة إلى الحرب والحفاظ على الزخم نحو التوصل إلى اتفاق.

وقال دبلوماسي غربي لصحيفة فايننشال تايمز: «قام القطريون بهدوء بمعظم العمل الشاق لتقريب وجهات النظر بين الجانبين»، مع إقراره أيضاً بالدور الذي لعبته باكستان في التوسط في العملية.

وقام المشير منير بزيارتين إلى طهران، واحدة في أبريل وأخرى في مايو. كما أوفد مراراً وزير الداخلية محسن نقوي، وهو شخصية بارزة تنتمي إلى الأقلية الشيعية الكبيرة في باكستان، بصفته مبعوثه الشخصي لبناء الثقة وتسهيل التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا غير المحسومة.

وفي 21 يونيو، أشاد فانس بالدور المحوري الذي لعبه منير في التوسط للتوصل إلى ما قد يتحول إلى تسوية دائمة بين واشنطن وطهران.

وقال فانس للصحفيين في ذلك اليوم بينما كان القادة يتجمعون في لوتسرن: «لقد مازحت البعض قائلاً إن لدي شخصين مهمين جداً جداً في حياتي، أحدهما هندي والآخر باكستاني. الهندية هي زوجتي، أما الباكستاني فهو المشير منير. وأعتقد أنني تحدثت مع المشير منير خلال الأشهر الثلاثة الماضية أكثر مما تحدثت مع أي شخص آخر».

وربما تكون هناك حاجة إلى مزيد من هذه المحادثات في المستقبل. فحجم الانتقادات الحادة التي تواجه مذكرة التفاهم في الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يشير إلى أن باكستان وقطر لا تزالان بعيدتين عن تحقيق تسوية دائمة بين واشنطن وطهران.