![]()
السبت 20 يونيو 2026
ترتفع درجة حرارة الناس في السودان أكثر مما ترتفع درجات الحرارة في هذا الطقس الحار الشديد هذه الأيام. كلما ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه، يتبادل السودانيون تحية الصباح: «الدولار كيف؟» بدلاً من «صباح الخير.. كيف حالكم؟».
ورغم أن الغالبية العظمى ليست لهم علاقة مباشرة به، وربما لا يعرفون عنه إلا الرقم المتداول صعوداً: ثلاثة آلاف.. أربعة آلاف.. (وقالوا وصل خمسة..).
وكلما زاد اللغط حوله، زاد هياجه. مثل ثور المصارعة الإسبانية؛ تهيجه هتافات الجمهور، وتستفزه الراية الحمراء التي يلوّح بها المصارع، فيهجم بشراسة أكبر ويجري أسرع. أما لو صمت الجمهور وهدأ، وأوقف المصارع تلويحه بالراية الحمراء، لهدأ الثور، وأحنَى رأسه، وتقدم بهدوء ليأكل من العلف الأخضر الذي يقدمه له المصارع.
بدلاً من الهياج في الميديا، وتصريحات الحكوميين التي لا تنتهي حول الدولار، وضجيج المحللين والخبراء الاقتصاديين، لربما هدأ الدولار، وتنفّس الصعداء، ونكّس رأسه، وبرك أرضاً.
الأزمة ليست في الدولار، لسببين أساسيين:
الأول: أن أساس الاقتصاد السوداني لا يدور في فلك الاقتصاد العالمي. هناك فراغ كبير يجعل حركة الاقتصاد في السودان شبه منعزلة عن متغيرات الاقتصاد العالمي. صحيح أن الدولار عملة الصادرات والواردات، لكن الأصح أن مجمل الصادرات والواردات السودانية — خاصة بعد الحرب — لا تمثل رقماً مؤثراً في دوران عجلة الاقتصاد السوداني، لو كانت فعلاً مبنية على أسس حقيقية تعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً.
بعبارة أخرى، كثير من الأرقام — مثل سعر الدولار مقابل الجنيه — من وحي تدابير يعبث بها السماسرة الذين يعتاشون على التلاعب بهذه الأرقام، بدلاً من العمل التجاري الحقيقي المنتج. وهي أشبه بأسعار أسواق العقار في السودان، التي غالباً ما يصنعها السماسرة صناعةً، بلا أدنى علاقة حسابية مبنية على التكلفة أو التقييم الحقيقي.
الثاني: أن الرقم نفسه — أقصد سعر الدولار بالجنيه — هو رقم والسلام. فما معنى أن يكون الدولار بمائة جنيه، أو ألف، أو خمسة آلاف، أو عشرة آلاف؟
المقارنة مع أسعار الدولار قبل سنوات طويلة في رحلته الصعودية السرمدية تكشف أن النسبة هي الثابتة. صحيح أن الرقم يزيد فيتسبب في الصدمة، لكنها الزيادة نفسها التي حدثت عندما طفر السعر من 2.5 جنيه إلى 6 جنيهات، ثم بعد حين إلى 18 دفعة واحدة، ثم إلى 50 أيضاً في قفزة واحدة.
الرقم نفسه ليس له دلالة سوى أنه إشارة إلى درجة حرارة جسم الدولة والشعب، والتي يسميها الناس في اللهجة الدارجة «سخانة الجيب».
المطلوب كمبدأ عام: عدم إزعاج الدولار إذا قام أو نام. فكما قيل: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها»، فإن «الدولار نائم لعن الله من أيقظه».
الاهتمام والتشخيص والدواء والمعالجة يجب أن تتجه إلى «العلف» الذي نقدمه للثور الهائج، فترتخي أعصابه ويهدأ توتره ويستجيب. أي الاهتمام بأساسيات الاقتصاد الحقيقي: الإنتاج، والتكلفة، والأسواق.
نجتهد لتعظيم الأرقام: أعلى إنتاج بأقل تكلفة، ولأوسع أسواق حول العالم.
أرجوكم.. لا تزعجوا الدولار.