![]()
د. عاصم محمود المحامي: ذكرى الهجرة النبوية.. وقفات وعبر
الهجرة في اللغة تعني الترك والمفارقة وتعني الانتقال من أرض إلى أخرى سعيا للرزق او بحثا عن الأمن والسكينة والطمأنينة والانتقال من ضيق الأماكن والاوضاع إلى سعة الأرض الواسعة والتخير في البقاء في أيها أصلح وأفضل…
ولعل الهجرة في بواكير الرسالة المحمدية كانت لأسباب عديدة أبرزها تأمين الرسالة من الهجوم الشرس من قريش وأعراب الجزيرة العربية واليهود في مكة، ففي الايام الأولى جاءت الهجرة الأولى إلى أرض النجاشي او الحبشة عبر البحر الأحمر في هجرتين متتاليتين وهاجر فيها عدد ثلاثة وثمانون من الرجال في ابرزهم عثمان بن عفان والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبدالرحمن بن عوف وابو عبيده الجراح وعبدالله بن مسعود وجعفر بن أبي طالب وعامر بن ربيعة وثمانية عشر امراة وقد أمرهم بها المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما اشتد أذى قريش على الصحابة حيث قال: (( لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ))
ثم جاءت الهجرة الثانية وكانت تجربة صعبة جدا على الصحابة واشتد فيها صنوف الاذى الاستفزاز من قريش إلى أن بلغ تدبير مكيدة حيث اجتمعت القبائل للقضاء على دين محمد والتخلص منه، كانت هذه أولى مراحل مخاض دولة الإسلام، تم تدبير اغتيال محمد واعدت قريش خطة محكمة الا انهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وتم تنفيذ خطة أمنية حيرت قريش وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته قبل لحظة الصفر للانقضاض على الرسول بضربة واحدة من فرسان القبائل وياله من تآمر وياله من مكر قبيح ليتفاجأ قريش بأن الذي على فراش النبي هو علي بن أبي طالب حيث أمره الرسول بذلك لرد الأمانات، خرج الرسول والتقى بصاحبه أبوبكر في الطريق و في معية الله وحراسة عين الله التي لا تنام وقد كتب الله في الأزل انه متم نوره ولو كره الكافرون…دون أن يراه احد ومكثا في غار ثور ثلاث ليال تنهض بخدمتهما ذات النطاقين اسماء بنت ابي بكر اول امرأة شهد لها التاريخ بالقيام بادوار أمنية خاصة وقامت بالتواصل مع النبي وصاحبه أبوبكر توفر الطعام والسقيا وتنقل نبض مكة المكرمة وتحركات قريش!!
ثم استاجر النبي صلى الله عليه وسلم دليلا إلى المدينة بطريق غير مألوف لقريش على ساحل البحر حتى إذا ماوصل المدينة المنورة استقبله أهلها بالبشر والترحاب تعويضا لما أصابه من قريش في مكة وشرع في انشاء وتأسيس دولة المدينة ونزل الوحي بالاحكام والتشريعات واخى بين المهاجرين والانصار والاوس والخزرج واستمر نور الحق في الاتقاد وبلغت الرسالة مشارق الارض ومغاربها ثم عاد إلى مكة فاتحا عزيزا في وضح النهار منتصرا للحق ليس لذاته ارسى قيمة العفو والصفح ليكمل بنيان الدولة بفتح مكة ولم ياتي إلى مكة منتقما ولا متشفيا حيث قال من دخل دار ابا سفيان فهو ءامن… واذهبو فانتم الطلقاء وخرج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة… هذه الوقفات القصيرة في مناسبة الهجرة تحمل دلالات مدرسة النبوة من الحكمة والرحمة والقيادة والصبر والعفو والحلم قال تعالى (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)..
صلى الله عليك يا علم الهدى