بنك المستقبل (تأسيس) : انقسام المنظومة النقدية في السودان !

بنك المستقبل (تأسيس) : انقسام المنظومة النقدية في السودان !

Loading

بنك المستقبل (تأسيس) : انقسام المنظومة النقدية في السودان !

أمستردام :23 مايو 2026 :راديو دبنقا
تقرير : المرصد السوداني للشفافية والسياسات

أصدرت إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للفرقة الرابعة لقوات الدعم السريع في الضّعين مرسوماً بتاريخ 23 أبريل 2026 – اطلع المرصد السوداني للشفافية والسياسات على نسخة منه. ويحدد هذا المرسوم سقف عمولة التجار بنسبة 15% على تحويل الأموال الرقمية عبر تطبيق “بنكك” (المنصة الأكثر استخداماً في السودان) إلى جنيهات ورقية، مما يُعتبر مؤشراً على النقص الحاد في السيولة النقدية بالمناطق الخاضعة لسيطرة تلك القوات. ورغم أن هذه النسبة لا تزال أعلى من المعدلات المعتادة لعمليات السحب النقدي، إلا أن 15% أقل بكثير من النسبة التي كان التجار يتقاضونها في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، والتي تصل إلى 40%. ونتيجة لذلك، توقف العديد من التجار عن تقديم هذه الخدمة، مما خلق أزمة جديدة عطلت النشاط التجاري والتحويلات المالية العائلية.

لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة المتعلقة بالحصول على العملة وتداولها، أصدر محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء حكومة “تأسيس” الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مرسوماً في 11 مايو بإنشاء “مجلس العملة الانتقالي” المُكلف بتعزيز الاستقرار النقدي وتنظيم الشؤون المصرفية.

ونص المرسوم على تكليف المجلس بالإشراف على تداول العملة وإدارته، وتنفيذ برنامج استبدال العملات، وإصدار تراخيص الأنشطة المصرفية بالتنسيق مع محافظ بنك السودان المركزي .

بلغت استجابة حكومة “تأسيس” للأزمة ذروتها بتعيين حسين يحيى جنقول محافظاً لبنكها المركزي في 21 مايو، وهو مصرفي مخضرم تدرج في المناصب داخل البنك المركزي السوداني، وشغل سابقاً منصب المحافظ في الفترة من 25 فبراير 2022 إلى 14 مايو 2023 .

وتؤكد هذه الإجراءات بعيدة الأثر تفاقم الأزمة المؤسسية العميقة التي تواجه سلطات “تأسيس” في سعيها لترسيخ مصداقيتها وشرعيتها بوصفها سلطة حاكمة. وقد ظهرت أولى العلامات الواضحة لهذا التحدي الهيكلي في يناير 2026 مع ظهور “بنك المستقبل” وتطبيق تحويل الأموال الرقمي التابع له في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع .

إنشاء بديل عن تطبيق “بنكك”

أفادت مصادر من القطاع الخاص بأن قوات الدعم السريع واجهت، بدءاً من عام 2024، ضغوطاً شديدة من قادة الأعمال لتوحيد العملة في مناطق سيطرتها وإنشاء بديل عن تطبيق “بنكك” لتحويل الأموال، وهي الضغوط التي تعاملت معها لاحقاً “حكومة تأسيس”.

ولمعالجة النقص الحاد والمزمن في السيولة النقدية، الذي برزت أدلة إضافية عليه في مرسوم قوات الدعم السريع، أطلق تحالف “تأسيس”، الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع، “بنك المستقبل” في أوائل يناير 2026 في نيالا، وهو عبارة عن منصة تداول مالية شبه إلكترونية في دارفور.

وتهدف هذه الآلية، إضافةً إلى معالجة نقص السيولة النقدية، إلى تسهيل التحويلات المصرفية، وتقليل الاعتماد على العملة الورقية، وتجاوز النظام المصرفي التقليدي المنهار . وقد افتتح بنك المستقبل في 29 يناير فرعاً ثانياً في الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور. ووفقاً لرئيس الإدارة المدنية في الولاية، يُمكن للبنك رقمنة 60% من معاملاته . وأفادت وسائل إعلام محلية باصطفاف الناس لفتح حسابات في البنك واستخدام تطبيق موبايل تابع للبنك .

في الوقت نفسه تقريباً، كشفت تقارير موثوقة عن وجود صلات بين تأسيس بنك المستقبل وإطلاق تطبيق رقمي لتحويل الأموال باسم “فيوتشر موني سيرفيس (خدمة المستقبل المالية)” على متجر قوقل بلاي من قِبل شركتي “تاناند” و”سلام” التابعتين له، وعلى متجر تطبيقات آبل (iOS) من قِبل شركة “ميسور”، وهي شركة تقنية صغيرة. والشركات الثلاث تتخذ من دبي مقراً لها ولها علاقات تجارية في شرق أفريقيا .

واجهة تطبيق فيتشر

تطبيق “فيوتشر موني سيرفيس”

أشار الدكتور إبراهيم أحمد، الذي عُرِّف في منشور حديث على فيسبوك بأنه مدير فرع نيالا لبنك المستقبل، إلى تطبيق “فيوتشر موني سيرفيس” بأنه “تطبيق بنك المستقبل”. وتفاخر بأن البنك حديث التأسيس يمتلك “2600 فرع حول العالم”، ما سيمكنه، حسب زعمه، من إجراء التحويلات الدولية . وفي 25 يناير، حذّر بنك السودان المركزي من التعامل عبر تطبيق “فيوتشر موني سيرفيس”، مؤكداً أنه غير مرخص وينتهك قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البلد. ومع ذلك، لم يربط بيان بنك السودان المركزي التطبيق صراحةً ببنك المستقبل .

وتوضح عدة تصريحات صدرت عن مديري البنك أن كلا الكيانين تابعان لشركة المستقبل للخدمات المالية والمصرفية المحدودة (بلد التسجيل غير معروف). ولم يذكر مسؤولو البنك أسماء المساهمين في هذه الشركة، إلا أن مصادر محلية أبلغت المرصد السوداني للشفافية والسياسات أن من بينهم عدداً من رجال الأعمال البارزين من دارفور. ووفقاً لبعض المصادر، فإن مصطفى عبد النبي، المسؤول الرفيع في الجناح المالي لقوات الدعم السريع، ومقره أبوظبي، هو أحد المهندسين الرئيسيين في تصميم هذا النظام وإطلاقه .

وأشارت مصادر في القطاع الخاص إلى أن عمل بنك المستقبل، اقتصر منذ بدء تشغيله في يناير 2026، على تحويل الأموال. وأفاد مصدر آخر بأن البنك يتعامل بالجنيه السوداني فقط، معرباً عن استيائه من عدم قدرة المنصة على تحويل الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني.

الآثار المترتبة على إنشاء بنك المستقبل

يُهدد انقسام السودان بين غرب يخضع لسيطرة قوات الدعم السريع ومناطق تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية في بقية أنحاء البلد، في غياب وقف إطلاق النار والتسوية السريعة عبر المفاوضات، بالتحول إلى انقسام اقتصادي ونقدي دائمين. ويتجلى هذا التوتر بالفعل في العقبات المتزايدة التي تواجه التجارة عبر خطوط التماس.

وبينما قد يُسهم بنك المستقبل وأنظمة الدفع الرقمية التابعة له في حل أزمة السيولة في المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع، إلا أنها تُمكّن أيضاً قادة هذه القوات وشركاءهم التجاريين (الممولين المقربين من قوات الدعم السريع الذين لعبوا دوراً فاعلاً في التخطيط للبنك وإطلاقه) من التربح من الصراع، مما يُؤدي إلى حلقة مفرغة من “اقتصاد الحرب”. وقد يُضعف هذا من الحافز الدافع للسلام.

خلفية حول ما حدث

في نوفمبر 2024، طرح بنك السودان المركزي تصميمات جديدة للأوراق المالية من فئتي 1000 و500 جنيه سوداني، وقصر صرفها على حاملي الحسابات المصرفية، ما أدى فعلياً إلى استبعاد مناطق سيطرة قوات الدعم السريع من الحصول على هذه الأوراق النقدية الجديدة . وردّت قوات الدعم السريع بإعلان الأوراق النقدية القديمة عملة قانونية في مناطق سيطرتها.

ورغم استمرار سكان المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في الاعتماد على تطبيقات التحويل المصرفي الوطنية، ولا سيما تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، فقد أفاد العديد من هؤلاء السكان وسائل الإعلام المحلية باختفاء أو تجميد أموالهم في حسابات التوفير ببنك الخرطوم المرتبطة بتطبيق “بنكك”، استناداً إلى شكاوى قانونية مشكوك في صحتها، يُزعم أنها رُفعت في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، و/أو لشكوك في ارتباط الأرصدة الكبيرة بتمويل عمليات قوات الدعم السريع. وأدى ذلك إلى ركود اقتصادي وعزوف عن استخدام التطبيق، حيث رفعت مكاتب التحويل نسبة الخصم على التحويلات النقدية إلى 30% .

أدى النقص الحاد في السيولة النقدية إلى تسريع التدهور المادي للعملة المتداولة. وفي الوقت نفسه، اعتمدت التجارة عبر الحدود انطلاقاً من مناطق قوات الدعم السريع على عملات متعددة، بما في ذلك جنيه جنوب السودان، والفرنك التشادي، والدينار الليبي، والدولار الأمريكي.

تطبيق “فيوشر “أبريل 2025

ظهر التطبيق لأول مرة في متجر قوقل بلاي تحت اسم “فيوتشر موني سيرفيس” في أبريل 2025، ونشرته شركة ميسور، وهي شركة برمجيات صغيرة تعمل في الإمارات العربية المتحدة والصومال، وجهة الاتصال المدرجة مواطن صومالي يُدعى عبد الله محمد شيخ بن شيخ، مقيم في الإمارات العربية المتحدة. وشملت التطبيقات الأخرى التي طورتها شركة ميسور تطبيقاً لصيدلية، وآخر لمتجر بقالة في الصومال، وثالثاً لمكتب عقاري، ما يعكس النطاق المحدود لأنشطتها التجارية.

يصف المطور التطبيق بأنه “منصة تحويل داخلية”، ويشير إلى أنه “يعمل بشكل مستقل عن النظام المصرفي التقليدي”، وليس تطبيقاً مصرفياً نظامياً. ومن الواضح أن التطبيق لا يُقدم على أنه منصة مصرفية رسمية مرخصة من قبل بنك مركزي أو مرتبط بأي نظام مصرفي مرخص.

لا يوجد أي مصدر موثوق يربط قانونياً بين تطبيق الهاتف المحمول وكيان “بنك المستقبل” في نيالا بوصفهما شركة واحدة، أو بوصف التطبيق شركةً تابعةً للبنك، أو شريكاً تقنياً مرخصاً له. ورغم عدم وجود صلة رسمية، يستخدم السكان المحليون في مناطق قوات الدعم السريع التطبيق ويربطونه بفتح حسابات في بنك المستقبل .

وتُظهر العديد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أشخاصاً يستخدمون التطبيق لإجراء معاملات مالية مرتبطة بهذا البنك . وروّجت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي كتبها مؤيدو قوات الدعم السريع للتطبيق وربطوه مباشرةً ببنك المستقبل، مشيرين إلى أن تحويل الأموال يتطلب إيداعات وسحوبات بالعملة السودانية. وقام أكثر من 10,000 شخص بتنزيل التطبيق وقدموا تقييمات متوسطة عند أحدث فحص أجراه المرصد السوداني للشفافية والسياسات للرابط على قوقل بلاي في 9 مايو .

في ضوء ما سبق، يمكن وصف هذه التطبيقات – قانونياً ومالياً – بأنها أنظمة مغلقة لتبادل القيمة، تعتمد على الجنيه القديم بوصفه وسيلةً للتبادل.
وتشبه هذه الممارسات آليات “تحويل رصيد الهاتف” غير الرسمية عبر شركات الاتصالات الخلوية، بوصفها وسيلة غير رسمية لتبادل القيمة خارج نطاق رقابة البنك المركزي، وهي آلية كانت تُستخدم سابقاً في السودان؛ ولا ترقى إلى مستوى نظام دفع أو نظام مصرفي معترف به.

تهالك الأوراق النقدية القديمة

كشفت مناقشات المرصد السوداني للشفافية والسياسات المتواترة مع التجار والعملاء وعامة الناس في أنحاء إقليم دارفور الكبرى أن فئات 100 و200 و500 و1000 من الجنيه السوداني، التي طُبعت بين عامي 2019 و2022، لا تزال العملة الرئيسية المتداولة في الإقليم. وقبل الحرب، كانت البنوك العاملة في المنطقة المصدر الرئيسي لهذه العملة، حيث كانت تُزوّد السوق بالسيولة النقدية، بينما كان بنك السودان يُنظّم تداولها. ومنذ اندلاع الحرب وانهيار النظام المصرفي، لم يتم تتبع مقدار الجنيهات السودانية المتداولة في مدن دارفور. وعلاوة على ذلك، صادرت القوات المسلحة السودانية، قبل سقوط نيالا في يد قوات الدعم السريع، جميع الأموال النقدية المخزنة في بنوكها.

تُعتبر الأوراق النقدية من فئة 100 و200 جنيه سوداني، المطبوعة عام 2019 التي وقّع عليها محافظ بنك السودان آنذاك، حسين يحيى جنقول، أكثر الفئات تداولاً في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع؛ حيث يُعتمد عليها في الأسواق والمعاملات التجارية بين التجار والدول المجاورة. ورغم ذلك، وبسبب انقطاع عملية التداول عن بنك السودان المركزي، المنوط به استبدال الأوراق النقدية التالفة، فقد بدأت معظم هذه الأوراق في التدهور، حيث اختفت بعض العلامات المائية والأرقام المتسلسلة المميزة. وتُعرض هذه الأوراق للبيع والشراء في مكاتب تحويل الأموال التقليدية، حيث يجري تبادلها في حزم تصل إلى 10,000 جنيه سوداني. وهؤلاء هم نفس التجار الذين يطلبون رسوماً تتراوح بين 15 و40% لتسييل أرصدة تطبيق بنكك.

من آليات التبادل الرئيسية الأخرى الأوراق النقدية من فئتي 500 و1000 جنيه سوداني، المطبوعة جزئياً. ويُزعم أن بعض هذه الأوراق نُهبت من قِبل جنود قوات الدعم السريع من مطبعة العملة الحكومية عندما كانت هذه القوات تسيطر على العاصمة. ووفقاً لمصادرنا، فقد أجبر المقاتلون التجار المحليين على قبول هذه الأوراق النقدية عملةً قانونيةً صالحة للتداول رغم أنها غير مكتملة وتعوزها التوقيعات والأرقام المتسلسلة . ومع ذلك، لا تزال فئتا 500 و1000 جنيه الوسيلتين الرئيسيتين للتجارة ودفع رواتب العسكريين، رغم تداول نسخ معيبة منها.

وتتداول الأسواق مزيجاً من الإصدارات المبكرة، والأوراق النقدية التي تفتقر إلى الأرقام المتسلسلة، و”إصدار ثانٍ” عالي الجودة يحمل توقيع برعي، ظهر في أواخر عام 2025. ويُشار إلى هذا الإصدار الثاني، المطبوع على ورق سميك مزود بميزات أمنية كاملة، بشكل شائع وساخر من قبل السكان المحليين باسم “ورقة الإمارات”. وهذه الورقة النقدية مهمة للتجارة عبر الحدود مع تشاد، وتدعم الاقتصاد الداخلي للإدارات المدنية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

(ارشيفية) بنك السودان المركزي –

استبدال العملة والإصلاح النقدي

خضعت فئتا 500 و1000 جنيه سوداني، من جانب القوات المسلحة السودانية، لعدة تحولات وتغييرات في التصميم منذ ظهورهما لأول مرة عام 2019 في عهد محافظ بنك السودان المركزي السابق حسين يحيى جنقول. فعقب اندلاع النزاع، أصدر بنك السودان المركزي نسخة جديدة عام 2023 بتوقيع المحافظ برعي الصديق علي.

وبحلول ديسمبر 2024، ظهرت نسخة ذهبية اللون كجزء من إصلاح نقدي رسمي بدأ في بورتسودان، واستبدلت التصاميم القديمة للأوراق النقدية بالتصميمات الجديدة في عدة ولايات خاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، وهي: البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، ونهر النيل، والشمالية، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق. وكان على حاملي الأوراق النقدية القديمة فتح حسابات مصرفية جديدة لاستبدالها، مع استثناء أولئك الموجودين في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع من هذه العملية.

في منتصف أبريل 2026، أطلق بنك السودان المركزي المرحلة الثانية من استبدال فئتي 500 و1000 جنيه سوداني في الخرطوم والجزيرة وأجزاء من ولاية النيل الأبيض التي لم تشملها المرحلة الأولى . ووفقاً للبنك المركزي، تهدف هذه التحديثات إلى استقرار الاقتصاد من خلال تشجيع الشمول المالي والتحول الرقمي. ورغم تأكيدات البنك المركزي بأن الأوراق النقدية القديمة ستظل عملة قانونية في الولايات التي لم تشملها جولتا الاستبدال؛ إلا أن هذه الإجراءات أصبحت بؤرة توتر في الصراع المستمر على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

التعامل مع الأوراق النقدية الجديدة بمناطق تأسيس

اعتباراً من مايو 2026، أصدرت حكومة تأسيس مرسوماً يحظر استخدام وتداول ونقل وترويج الأوراق النقدية الجديدة من فئات 500 و1000 و2000 جنيه سوداني حظراً تاماً؛ وهدّدت بعواقب وخيمة على المخالفين، بما في ذلك مصادرة العملة الموجودة بحوزتهم والملاحقة الجنائية . واستثنى المرسوم تصميمات فئة 1000 جنيه سوداني الصادرة قبل يونيو 2024 من الحظر.

كانت نتيجةً إصلاحاتِ الحكومة التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية والإجراءات المضادة التي اتخذتها حكومة تأسيس، نشوء مشهد نقدي مفكك، ما أدى فعلياً إلى وضع شبيه بدولة واحدة بعملتين. ففي الولايات الاثنتي عشرة الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، لم تعد الأوراق النقدية الأصلية من فئتي 500 و1000 جنيه سوداني عملة قانونية. وفي المقابل، حظرت قوات الدعم السريع الأوراق النقدية الجديدة من فئتي 500 و1000 جنيه سوداني الصادرة في بورتسودان، معتبرةً إياها غير صالحة. وقد أدى ذلك إلى عجز المواطنين في مناطق قوات الدعم السريع عن استبدال عملتهم القديمة بالعملة الجديدة المعتمدة من الحكومة مما عمّق الفجوة الاقتصادية بين الفصائل المتحاربة.

حميدتي قائد الدعم السريع ورئيس المجلس الرئاسي لتأسيس والحلو رئيس الحركة الشعبية ونائب رئيس المجلس الرئاسي لتأسيس : مصدر الصورة اعلام تأسيس (ارشيف)

رابحون وخاسرون في بيئة نقدية فوضوية

يبدو أن حكومة تأسيس، التابعة لقوات الدعم السريع، تفتقر إلى وجود ميزانية رسمية مركزية. ورغم أنها حاولت وضع ميزانية مركزية، إلا أن جهودها واجهت عقبات بسبب نظام تحصيل الضرائب المفكك المعمول به حالياً. فبعد سيطرتها على دارفور، أنشأت قوات الدعم السريع “إدارات مدنية محلية” في المدن الرئيسية والمراكز السكانية للإشراف على الحكم المحلي. وسرعان ما نظمت هذه الهيئات تحصيل الضرائب من الأسواق وحركة البضائع والمعابر الحدودية، واستخدمت العائدات الناتجة لدفع رواتب المعلمين وضباط الشرطة والموظفين المحليين. ووفقاً لبعض المصادر، فقد قوبلت جهود المسؤولين المعيّنين في حكومة تأسيس لمركزة هذه العائدات بمقاومة شديدة من الإدارات المحلية .

ومن أنظمة تحصيل الأموال المنتشرة الأخرى شبكة ونقاط تحصيل الرسوم الواسعة وغير الخاضعة للرقابة التي ظهرت منذ بداية الحرب. وتنتزع هذه الشبكة، التي تتمركز في مواقع استراتيجية وتديرها وحدات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، رسوماً غير نظامية من حركة البضائع والركاب وقوافل الإغاثة الإنسانية. وتُسيطر القوات المحلية وقادتها الميدانيين بشكل أساسي على الأموال المُحصّلة.

وقد أعاق هذا النقص في الموارد المالية المركزية بشكل كبير إنشاء مؤسسات مدنية فعّالة وتقديم الخدمات العامة، رغم محاولات حكومة تأسيس تشكيل حكومة كاملة الأركان. وإلى جانب القيود المالية، تعثّر تشكيل هذه الإدارة بسبب النزاعات الداخلية بين مختلف الفصائل داخل قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس حول النفوذ والسيطرة على الحقائب الوزارية الرئيسية.

اقتصادات حرب مجزأة

رسّخ الانهيار الاقتصادي في السودان اقتصادات حرب مجزأة على جانبي الصراع. وقد صاحب انخفاض إيرادات الدولة وعسكرة الميزانية تطبيع عمليات انتزاع الرسوم الصغيرة واللامركزية، بما في ذلك داخل المؤسسات الأمنية والقضائية في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية . أما في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، فقد أدى غياب السلطة المالية الرسمية إلى نشوء اقتصاد قسري قائم على فرض رسوم، وأنظمة نقدية مستحدثة تعمل خارج نطاق السيطرة السيادية. وفي كلا النظامين، بات توليد الإيرادات جزءاً لا يتجزأ من الرقابة الروتينية على الحركة والأمن ودخول المناطق، مما يخلق مصالح راسخة في استمرار حالة عدم الاستقرار، ويقوض بشكل مباشر وصول المساعدات الإنسانية، وسيادة القانون، وآفاق التعافي الموحد بعد الحرب.

الرابحون في هذا الاقتصاد الممزق هم القادة العسكريون وقادة الأعمال المتعاونون معهم، مثل المساهمين المجهولين في بنك المستقبل. أما الخاسرون فهم المنتجون المحليون والتجار وعامة الناس الذين يتعرضون لعمليات التحصيل القسرية.

التحديات التي تواجه الأدوات المالية الجديدة

تشمل التحديات التي تواجه الأداتين الماليتين الجديدتين (بنك المستقبل وتطبيقه الإلكتروني) محدودية الاعتراف الدولي بهما وعدم قدرتهما على العمل ضمن النظام المالي الرسمي بوصفهما مؤسستين ماليتين نظاميتين. وفي هذا السياق، من المهم تحليل عدة قضايا رئيسية تتعلق بتصميم البنوك، ودور البنك المركزي، وشرعية أدوات الدفع والتحويل، والظروف الاستثنائية التي أدت إلى ظهور ممارسات بديلة.

هل يُمكن تسمية أي مؤسسة “بنكًا” من دون ترخيص مركزي؟

البنوك التجارية والمركزية متلازمتان تلازماً لا فكاك منه. إذ لا يُمكن لأي بنك تجاري العمل في أي دولة حديثة بمعزل عن البنك المركزي. والبنك المركزي هو السلطة السيادية المسؤولة عن صياغة وتنفيذ السياسة النقدية، وإصدار العملة الوطنية، وتنظيم العرض النقدي، والإشراف على البنوك التجارية والمؤسسات المالية وتنظيمها.

بناءً على هذا المبدأ، لكي يُطلق على أي كيان اسم “بنك”، يجب أن يكون مرخصاً ومعتمداً من قبل الجهات التنظيمية (ليس بالضرورة البنك المركزي وحده). وهذه القواعد وُجدت لحماية المودعين ومنع الاحتيال أو التخبّط. وبدون هذا الإطار، يفتقر النشاط المصرفي للتنظيم والحماية القانونية.

بناءً على ذلك، فإن أي مؤسسة مالية تعمل خارج إطار البنك المركزي للدولة، ومن دون موافقة صريحة منه، لا تستوفي الشروط القانونية التي تخولها حمل صفة “البنك”، بغض النظر عن المصطلحات أو الأدوات التقنية التي تستخدمها.

علاوة على ذلك، تُشكل التقارير الواردة بشأن تداول أوراق نقدية مزيفة جديدة من فئتي 500 و1000 جنيه سوداني – باستخدام التصميم القديم – في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تحديات كبيرة لتطبيق “فيوتشر موني سيرفيس”. فغياب تدابير فعالة للكشف عن هذه الأوراق النقدية المزيفة وإزالتها من التداول بسرعة، يعرّض وجود المنصة لمخاطر تتعلق بتخزين القيمة وسلامة المعاملات. ولأن هذه الأوراق النقدية المزيفة تقع خارج إطار المدفوعات المنظمة، فإنها تعمل في منطقة قانونية وتنظيمية رمادية.

خاتمة ..محاولة يائسة لملء فراغ نقدي

لا يمكن تجاهل العواقب الإنسانية والاقتصادية الوخيمة لعدم توفر الأوراق النقدية المصدرة حديثاً ذات الفئات الكبيرة في المنطقة، وإغلاق البنوك أو توقفها عن العمل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع مثل دارفور، وقد أدى كلا الأمرين إلى شبه انعدام الوسائل التقليدية والإلكترونية لتبادل القيمة. وقد فاقم نقص الخيارات المصرفية الماثل الوضع الإنساني.

في الوقت نفسه، تُنتج محلياً كميات كبيرة من الذهب والصمغ العربي والفول السوداني والسمسم والماشية وغيرها من المنتجات الزراعية، ويُتاجر بها وتُهرّب عبر الدول المجاورة، دون وجود آلية فعّالة لدفع ثمنها للمنتجين المحليين، ما خلق حالة تشبه الفراغ المالي والنقدي وتمخّض عن بيئة خصبة لظهور مثل هذه الممارسات البديلة.

ما نشهده اليوم ليس ابتكاراً مصرفياً بقدر ما هو محاولة يائسة لملء فراغ نقدي ومؤسسي كبير. والحلول المؤقتة من هذه الشاكلة ضرورية ومفيدة للأفراد أحيانا، حتى وإن كانت تُسهم في تعزيز اقتصادات الحرب بوصفها تجاوزات قانونية كما ذكرنا آنفاً. وثمة حاجة إلى حل طويل الأمد، في نهاية المطاف.

إن إضفاء الشرعية على الأنظمة المغلقة لتبادل القيمة ليس هو السبيل للوصول إلى مثل هذه الحلول طويلة الأمد. بل يكمن الحل في استعادة الدور السيادي للبنك المركزي، ووضع حلول نقدية انتقالية قانونية تكفل وجود عملة معترف بها قانوناً، وأدوات دفع منظمة، وحماية حقيقية للمواطنين والمنتجين في المناطق المتضررة من النزاعات. وبدون ذلك، ستظل هذه المبادرات حلولاً مؤقتة تنطوي على أخطار جسيمة على الاستقرار النقدي والاجتماعي، بغض النظر عن النوايا.

المصدر : المرصد السوداني للشفافية والسياسات

The post بنك المستقبل (تأسيس) : انقسام المنظومة النقدية في السودان ! appeared first on Dabanga Radio TV Online.