![]()

الخرطوم – متابعات تاق برس – قال الدبلوماسي الأمريكي كاميرون هدسون، في مقال مطول” يتجه الإسلاميون السودانيون إلى واشنطن والقنوات الإسرائيلية سعياً للبقاء السياسي، وقد أشرف علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، في الأشهر الأخيرة على جهود شملت شركات الضغط والعلاقات العامة في واشنطن.
تشير تحركات حديثة تُنسب إلى شخصيات بارزة في الحركة الإسلامية السودانية إلى محاولة متزايدة الوضوح لإعادة تموضع الحركة سياسياً ودولياً بعد سنوات من العزلة التي فرضتها ثورة ديسمبر 2018، ثم الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023.
وكشفت تقارير إعلامية سودانية عن اتصالات مزعومة بين علي أحمد كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة المرتبطة بنظام عمر البشير السابق، ودوائر أمريكية وشخصيات على صلة بشبكات النفوذ الإسرائيلية. ويعكس هذا التواصل المزعوم تحولاً لافتاً في خطاب وأساليب الإسلاميين السودانيين، الذين يبدو أنهم يسعون الآن إلى تفاهم سياسي مع الغرب يضمن لهم مكانة في بنية السلطة المستقبلية في السودان.
ووفقاً لمصادر سياسية سودانية، أشرف كرتي في الأشهر الأخيرة على جهود خارجية شملت شركات ضغط وعلاقات عامة في واشنطن، بهدف فتح قنوات تواصل مع مسؤولين أمريكيين وشخصيات مقربة من دوائر صنع القرار الأمريكية.
أشارت تسريبات نقلتها وسائل إعلام سودانية إلى محاولات لعقد اجتماعات مع شخصيات إسرائيلية نافذة قادرة على الترويج لرؤية الإسلاميين داخل الإدارة الأمريكية، ما يوحي بأن الحركة أصبحت أكثر استعدادًا لتبني نهج براغماتي سياسي للخروج من عزلتها الدولية.
وتوضح التقارير أن شخصيات إسلامية أبدت، بشكل غير مباشر، استعدادها لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تهدف إلى إنهاء الحرب في السودان، بما في ذلك إبداء مرونة بشأن قضايا بالغة الحساسية كالمحكمة الجنائية الدولية والشخصيات المطلوبة المرتبطة بالنظام السابق، مقابل استئناف التواصل مع الحكومات الغربية ورفع القيود المفروضة على قادة الحركة.
تعكس هذه المناورات إدراكًا متزايدًا داخل التيار الإسلامي في السودان بأن استمرار الحرب، إلى جانب التحولات في الديناميات الإقليمية والدولية، جعل العودة إلى السلطة بشكلها السابق أمرًا غير واقعي على نحو متزايد. وأي دور مستقبلي في النظام السياسي السوداني، حتى لو كان محدودًا، يتطلب على الأقل حدًا أدنى من القبول الدولي.
ويواجه التيار الإسلامي ضغوطًا متزايدة واتهامات بأنه لعب دورًا محوريًا في إطالة أمد الصراع والتأثير على القرارات العسكرية والسياسية داخل سلطة بورتسودان التي يقودها الجيش السوداني.
اتهم التحالف التأسيسي للسودان (تاسيس) الإسلاميين بالسيطرة على غرف العمليات العسكرية، والتأثير على كتائب النخبة المسلحة وأنظمة الأسلحة الاستراتيجية، وممارسة نفوذ واسع على المؤسسات المدنية والدبلوماسية والإعلامية. ويزعم التحالف أن الإسلاميين عادوا فعلياً إلى السلطة عبر الحرب بعد إزاحتهم عنها باحتجاجات شعبية قبل سنوات.
ورغم نفي الجيش السوداني رسمياً لهذه الاتهامات، فقد بات النفوذ الإسلامي داخل الأوساط العسكرية والأمنية موضوعاً متكرراً في النقاشات السياسية السودانية والإقليمية، لا سيما في أعقاب بروز الكتائب المرتبطة بالتيار الإسلامي في القتال الأخير.
تصاعدت الضغوط بعد أن صنّفت واشنطن في مارس/آذار جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمةً إرهابية، متهمةً إياها باستخدام العنف ضد المدنيين، وتجنيد آلاف المقاتلين بدعم إيراني، وتقويض الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
وجّه هذا التصنيف ضربةً سياسيةً قاسيةً للحركة الإسلامية في السودان، ويبدو أنه قد سرّع من وتيرة الجهود المبذولة لتغيير صورتها في العواصم الغربية.
في هذا السياق، يمكن تفسير مساعي كرتي المزعومة للتواصل مع الجماعات الإسلامية في السودان على أنها محاولة لإقناع واشنطن بأن هذه الجماعات قادرة على لعب دور “براغماتي” في أي تسوية مستقبلية، وأن استبعادها تمامًا قد يعقد جهود إنهاء الحرب أو يخلق ظروفًا لمزيد من عدم الاستقرار والتطرف.
وتحمل الاتصالات المزعومة مع شخصيات مرتبطة بإسرائيل دلالة رمزية خاصة. فعلى مدى عقود، مثّلت العلاقات مع إسرائيل إحدى أكثر القضايا الأيديولوجية حساسية بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان. إلا أن المشهد الجيوسياسي المتغير بسرعة في المنطقة دفع العديد من الفاعلين السياسيين إلى إعادة النظر في مواقفهم الراسخة.
زعم رجل الأعمال الإسرائيلي الكندي وضابط المخابرات السابق آري بن مناشيه أنه التقى سابقًا كرتي وساعد في ترتيب اتصالات مع مسؤولين أمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، خلال السنوات الأخيرة من حكم البشير. تشير هذه المزاعم إلى أن قنوات التواصل بين الإسلاميين السودانيين والجهات الفاعلة الغربية قد لا تكون جديدة تمامًا، بل هي جزء من شبكات أقدم تشكلت بفعل صراعات السلطة الداخلية خلال عهد البشير.
يحاول الإسلاميون السودانيون الآن استغلال تعقيدات الحرب الحالية لتقديم أنفسهم كطرف لا غنى عنه في أي معادلة سياسية مستقبلية.
تطور الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى صراع طويل الأمد أعاد رسم التحالفات الداخلية وأضعف بشدة العديد من القوى المدنية التي قادت الانتفاضة ضد البشير.
في الوقت نفسه، أدى استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات وتفاقم الكارثة الإنسانية، التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، إلى زيادة الحاجة المُلحة دوليًا لإنهاء الصراع بأي صيغة عملية تقريبًا، حتى لو تطلب ذلك التواصل مع قوى كانت معزولة دوليًا.
ومع ذلك، لا تزال رهانات الإسلاميين على إعادة التأهيل السياسي عبر الدبلوماسية الدولية غير مؤكدة.
ولا تزال الولايات المتحدة والحكومات الغربية تنظر إلى دور الحركة في الحرب بعين الريبة، بينما يعتبر العديد من المعارضين السياسيين السودانيين أي عودة للإسلاميين إلى السلطة تهديدًا مباشرًا للانتقال الديمقراطي والاستقرار طويل الأمد.
كما لا تزال قطاعات واسعة من المجتمع السوداني تُحمّل الحركة الإسلامية مسؤولية عقود من الحكم الاستبدادي والانهيار الاقتصادي والحروب الداخلية في عهد البشير.
مع ذلك، تُبرز المناورات الأخيرة حقيقةً أوسع نطاقًا تتجلى في الصراع السوداني: لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبحت معركةً أوسع نطاقًا حول مستقبل توزيع السلطة والنفوذ والشرعية السياسية في السودان.
في هذا السياق، يبدو أن الإسلاميين في السودان عازمون على استغلال اللحظة الراهنة على الصعيدين الإقليمي والدولي لإعادة تقديم أنفسهم كقوة قابلة للتفاوض، بدلًا من اعتبارهم مجرد حركة أيديولوجية معزولة أو تهديد أمني.
والسؤال المحوري الآن هو: هل ستفسر واشنطن هذه الإشارات على أنها فرصة سانحة قد تُسهّل إنهاء الحرب، أم أنها محاولة من الإسلاميين في السودان للعودة إلى السلطة عبر البراغماتية السياسية وإعادة توظيف نفوذهم القديم في ظل ظروف جديدة؟