انشقاقات وتصدعات.. ماذا يجري داخل الدعم السريع؟

Loading

على وقع المعارك المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في السودان، اندلعت معركة من نوعٍ آخر في صفوف الأخيرة، تمثّلت بالانشقاقات الجديدة عنها.

في هذا الإطار، أعلن قياديان بارزان انشقاقهما عن هذه القوات خلال الأسابيع الماضية. الأول هو النور أحمد آدم، المعروف بالنور القبة، وهو أحد المؤسسين الأوائل ومن الرعيل الأول لقوات الدعم السريع. قاتل إلى جانب “الدعم” ولاسيما في إقليم دارفور، قبل أن يعلن انشقاقه في أبريل الماضي، وتسليم نفسه وقواته للجيش السوداني.

أما الثاني، فهو علي رزق الله، الملقّب بالسافنّا، وهو القائد الميداني الذي عُرف بجرأته التكتيكية في معارك الخرطوم ومحور كردفان.

هذا التحول في داخل قوات الدعم السريع يطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع والتوقيت والنتائج.

يوضح الدكتور عبد الكريم القوني، مدير مركز سدرة للدراسات أن “الدعم السريع لم يعد يمثل تلك الكتلة المتجانسة التي كان عليها. فقد انضمت إليه عبر الوقت وحدات مليشياوية وقوات قبلية بحثاً عن مصالح آنية وغنائم سريعة”.

ويقول القوني إنه “مع تغير موازين القوى على الأرض، بات من السهل على هذه المكونات مغادرة السفينة والبحث عن مخرج آمن، سواء بالعودة إلى راية القوات المسلحة أو اتخاذ موقف محايد”، معتبراً أن “ما نشهده اليوم هو تحركات استباقية تسبق جولات التفاوض النهائية، حيث يسعى هؤلاء القادة لاستخدام انشقاقهم كأوراق ضغط سياسية تضمن لهم موطئ قدم في أي تسوية مستقبلية”.

وعادة، ما تلعب الولاءات القبلية دوراً في مثل هذه الانشقاقات، خصوصاً مع انخراط عدد من القبائل بشكل كبير في الصراع في السودان واصطفافها إلى جانب أحد أطرافه.

في هذا السياق، يؤكد اللواء الدكتور أمين إسماعيل مجذوب، خبير إدارة الأزمات في مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، أن “هذه الانسلاخات هي نتاج تفاعلات داخلية عميقة، لعل أبرز شراراتها تداعيات الهجوم على منطقة مستريحة في ولاية شمال دارفور.

وكانت الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على مستريحة، التي تعتبر معقلاً تاريخيّا لقبيلة “المحاميد” (إحدى بطون الرزيقات)، قد استهدف الشيخ موسى هلال رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم المحاميد.

ونجا هلال من الهجوم الذي أدى إلى مقتل وجرح عشرات المدنيين وموجة نزوح كبيرة للسكان.

وبحسب مجذوب، فإن “انسلاخ قادة بوزن النور القبة والسافنّا اللذين ينتميان لهذا المكون كان ارتداداً مباشراً لزلزال مستريحة، الذي فكك تحالف الضرورة، ودفع بأبناء المحاميد لمغادرة صفوف الدعم السريع بعد أن أدركوا أن الحرب أصبحت تستهدف نفوذهم القبلي المستقل”.

وبخصوص تداعيات هذه الانشقاقات على “الدعم السريع”، يشير مجذوب إلى أن “ذلك سيؤدي حتماً إلى خلخلة العمليات الميدانية وضرب الروح المعنوية لمن تبقى من المقاتلين”.

أما عن مصير المنشقين عن “الدعم السريع”، فيؤكد مجذوب أن احتمال دمجهم في المؤسسة العسكرية ليس “صك غفران” عسكرياً، بل هو “عملية محكومة بمعايير مهنية صارمة تشمل مراجعة السجل الجنائي والمستوى التعليمي، لضمان الوصول في النهاية إلى جيش قومي واحد ومهني”.

وبانتظار أن تتضح حدود تأثير هذه الانشقاقات على الأرض وما إذا كانت ستحدث تغييراً كبيراً في ميزان القوة في الحرب، يبدو العالم منشغلاً بأزماته الممتدة من أوكرانيا إلى إيران، وهو ما ينعكس على محاولات وقفها.

يرى بن فيشمان، كبير باحثين في معهد واشنطن، أن هناك تقدّماً ميدانياً ملموساً للجيش السوداني تعززه الانشقاقات عن قوات الدعم السريع، لكنه يحذر من أن الدبلوماسية الأميركية لا تزال تراوح مكانها دون وجود خطة بديلة حقيقية لمنع الانهيار الكامل للدولة.

وتشير تقارير صحفية إلى أن انحسار تدفق الإمدادات المادية واللوجستية لقوات الدعم السريعِ مثَّل دافعاً محورياً وراء الانشقاقات الأخيرة عن قوات الدعم السريع.

في هذا الإطار، يشير فيشمان إلى “تراجعِ الإمارات عن تقديم الدعم الحاد، نتيجة لتعقيدات المنطقة وانكشاف تفاصيل هذا الدعم للعلن، مما جعل سلاسل التوريد والتمويل أكثر صعوبة عما كانت عليه قبل الحرب”.

وفي ظلّ الانشقاقات وتبدّل التحالفات، تبدو قوات الدعم السريع أمام اختبار مهم قد يعيد رسم موازين الحرب في السودان. وبينما يراهن الجيش على هذه التحولات لتعزيز تقدّمه الميداني، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات معقّدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالولاءات القبلية والتجاذبات الإقليمية.