![]()
هناك نكتة قديمة بيني وبين أعز أصدقائي. يقولها بخفة، كما يقول المرء شيئًا فقط ليتجنب قول شيء آخر: “عديني… إذا قسّموا لبنان يومًا، ستساعدينني لأصل إلى جهتك.” صديقي مسلم، وبـ“جهتي” يقصد الجهة المسيحية، لا بدافع تحوّل لاهوتي مفاجئ، حاشا لله، بل لأن الرجل يحب أن يحتسي الخمر وأن يأكل لحما محرّما ويخالط نساء متحررات ويقضي ليال صاخبة ويعشق كل تلك الكليشيهات التي تحولت بطريقة ما، في ثقافتنا الشعبية الطائفية العبثية، إلى “قيم لبنانية مسيحية”. كلما عادت النكتة، نضحك. طبعًا نضحك. ماذا عسانا نفعل عندما تكون الطريقة الوحيدة لتحمّل الجرح هي التظاهر بأنه نكتة؟
لكن النكتة ليست نكتة. إنها نبوءة متنكرة في هيئة دعابة. لأن لبنان قُسِّم بالفعل مرة، لا على الورق أو الخرائط، بل بالدم، بالحواجز، بحدود غير مرئية تفوح منها رائحة الخوف والبارود. خلال الحرب الأهلية، لم يحتج البلد إلى دستور ليتشظى. رسمت الميليشيات خرائطها الخاصة، ونحتت “كانتونات” تحكم فيها كل جماعة نفسها، غالبًا بعنف، بهوس، كجسد يهاجم أعضائه.
واليوم، فيما تتقلّب المنطقة من جديد، فيما تعيد الحروب رسم الخيالات أسرع مما تعيد رسم الحدود، فيما تدفع أذرع حزب الله المُصادِرة، وامتداد إيران المفترس، وشعار الأمن الإسرائيلي، والتسويات التي ترعاها واشنطن، وحمى خطاب “الشرق الأوسط الجديد”، لبنان مرة أخرى إلى غرفة العمليات الجيوسياسية، يعود الخطاب القديم، كما يعود دائمًا حين يبدو هذا البلد هشًا بما يكفي ليُشرّح: الفيدرالية. أو أقاربها: اللامركزية، الكونفدرالية، التقسيم. كلمات تتظاهر بأنها تقنية، إدارية، معقولة. كلمات ليست بريئة إطلاقًا. تعود في الصالونات السياسية، في نقاشات الاغتراب، في منشورات وسائل التواصل، في مراكز الأبحاث الراقية، في غرف المعيشة المرتعشة، وكل معسكر يُسقط عليها يأسه أو خياله أو تهديده الخاص.
فما لذي نتحدث عنه حقًا؟ نظريًا، الفيدرالية ليست خطيئة. إنها بنية. تعيش بها سويسرا. تتنفس بها ألمانيا. في أنقى أشكالها، هي عقد: وحدة بلا تماثل. لكن لبنان لا يتحدث لغة النظريات. لبنان يترجم كل شيء إلى طائفة. هنا، لا تُتخيَّل الفيدرالية ككفاءة إدارية، بل كفيدرالية إثنية، نظام تتطابق فيه الأراضي مع الهويات الدينية أو الجماعية. ليست مناطق، بل قبائل. ليست حوكمة، بل انتماء بدائي.
أنصار الفيدرالية اليوم يتحدثون لغة الخلاص: السيادة، الحياد، الهروب من الشلل، من الفساد، من قبضة نظام مركزي خانق فشل فشلًا ذريعًا. ولنكن صريحين: على الورق، قد يبدو ذلك معقولًا. بل مغريًا. ربما مرّ كل منا، في لحظة تعب أو خوف أو غثيان سياسي، فنظر إلى هذا البلد وفكر: ربما هذا هو الحل الأخير. ربما الطلاق أقل إيلامًا من هذا الزواج القسري اليومي. ربما الاستقلالية أكثر صدقًا من هذه الكوميديا الفاضحة للوحدة التي نستمر في تمثيلها.
وليسوا مخطئين تمامًا. النظام الحالي، هذا الكائن المشوّه المسمى تقاسم السلطة الطائفي، لم يفشل فقط في حمايتنا؛ بل أتقن فن تقسيمنا وهو يدّعي توحيدنا. أسّس للطائفية بدل تجاوزها، محوّلًا المواطنة إلى هوية دينية، والديمقراطية إلى سلاح شلل. نعم، يمكن فهم الإغراء. أن نقول: كفى. ليحكم كل نفسه بنفسه. لننفصل كي ننجو.
لكن ننفصل إلى ماذا، تحديدًا؟ هنا يبدأ الحلم بالتعفّن. لأن الفيدرالية في لبنان نادرًا ما تتعلق بحوكمة أفضل. إنها النقطة التي يلتقي فيها المذهب بالمشرط، حيث يبدأ الخوف في تخيّل التقطيع كعمارة: الخوف من الآخر، الخوف من الهيمنة، الخوف من الزوال. والخوف مهندس عمراني سيئ جدًا.
كيف ستبدو هذه المناطق؟ مرتّبة، متماسكة، بحدود واضحة؟ أم ستشبه الجغرافيا الكاريكاتورية لسنوات الحرب، حيث لم تكن الجيوب مكتملة أبدًا، حيث كان كل “طرف” يحتوي الآخر كسرّ مدفون، كانتقام مستقبلي يتعلم طريقه؟
لبنان ليس لغزًا يمكن فصل قطعه بدقة. إنه جرح ينزف. كل محاولة لتقسيمه لن تنتج راحة، ولا حلًا، ولا أمانًا، بل أقليات جديدة داخل أغلبيات جديدة، خطوطًا جديدة، مظالم جديدة، منافي داخل الوطن. والتاريخ هنا لا يرحم: ما إن تُشرعن التقسيم، فلن يتوقف عند أحد.
النموذج السويسري يُستدعى في بلدنا كتعويذة، كأن بالإمكان استيراد نظام ومعه ثقافة. لكن سويسرا لم تصبح فيدرالية لأنها كانت منقسمة. أصبحت فيدرالية بعد أن تعلّمت كيف تتعايش. لبنان يريد عكس المسار: أن ينقسم ليتعلّم التعايش. هذا ليس هندسة. هذا يأس. الفيدرالية تنجح حيث يوجد اتفاق مشترك على الدولة نفسها. لبنان ما زال يصارع للاتفاق على شيء أبسط بكثير: هل نريد أصلًا البلد نفسه؟
هل هي قابلة للتطبيق؟ تقنيًا، نعم. كل شيء قابل للتطبيق في مكان يحدث فيه المستحيل يوميًا. سياسيًا، شبه مستحيلة من دون عنف. لأن أي مشروع فيدرالي هنا يطلق فورًا ذعرًا وجوديًا لدى الآخرين. يُنظر إليه لا كإصلاح، بل كمقدمة لصراع. وفي منطقة لا تكون فيها الحدود بريئة أبدًا، أي إعادة رسم تستدعي ليس فقط صراعًا داخليًا، بل شهيات خارجية. لبنان صغير جدًا ليتفتت باستقلال، ومكشوف جدًا ليتفتت بأمان.
إحاطة إيران من MBN
متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.
هل هي في الأفق؟ ليس رسميًا وليس بعد. لكن الأفكار لا تحتاج إلى شرعية لتوجد. تُتداول همسا، في النكات بين أصدقاء يتظاهرون بأنهم غير خائفين. وربما هذه هي المرحلة الأخطر: حين يتوقف المحظور عن أن يكون غير قابل للتفكير، ويصبح قابلًا للنقاش.
وكأن هذياناتنا لا تكفي، يحدث كل هذا الآن تحت خطاب آخر، مستورد من الخارج، ويُكرر بتلك السهولة الباردة التي تحتفظ بها القوى الكبرى لمصائر الدول الصغيرة: خطاب “الشرق الأوسط الجديد”. في كل مرة أسمعه، في كل مرة أسمع أصواتًا أميركية وإسرائيلية تتحدث عن إعادة تشكيل المنطقة، عن ترتيبات أمنية، عن فرص، عن مستقبل، لا أستطيع إلا أن أطرح السؤال الأكثر بدائية والأكثر ضرورة: جديد لمن، وعلى حساب من؟ لأن الناس هنا ليسوا أغبياء. حين يسمعون هذه اللغة، كثيرون لا يتخيلون التعافي. يتخيلون الاقتطاع. يتخيلون أجزاء من هذا البلد تُقصّ، تُهذّب، تُحيّد، تُروّض، لتصبح جغرافيا أكثر ملاءمة لمصالح الآخرين. أي “شرق أوسط جديد” هذا، بالضبط؟ ذاك الذي يُصنع عبر بتر ما يزعج التصميم الإقليمي؟ عبر إعادة رسم الجرح وتسميته استقرارًا؟ عبر تقليص البلد إلى شيء أنظف، أكثر طواعية، أكثر قابلية للقراءة لمن لم يحبوه يومًا بما يكفي ليفهموا تعقيده الفظيع والجميل وغير القابل للتجزئة؟
أحيانًا أجد نفسي أفكر بشيء أكثر قسوة: إذا كان التقسيم حتميًا حقًا، مأساويًا حقًا، خارج الإصلاح حقًا، فليُرسم على الأقل لا بين الطوائف، بل بين الرؤى. لا بين المسيحي والمسلم، الشيعي والسني، هذه المنطقة وتلك، بل بين من لا يزال يريد دولة، ومن يصرّ على البقاء ميليشيا تسكنها منطق الحرب الدائمة وتحكمها ولاءات تأتي من الخارج. بين من يؤمن بأن البلد يجب أن ينتمي إلى مواطنيه، ومن يستمر في تقديمه، جسدًا ومستقبلًا، إلى لاهوت مسلح، إلى رعاة أجانب، إلى عبادة نكروفيلية لـ“المقاومة” كذريعة أبدية كي لا نصبح أمة أبدا.
ثم هناك شيء آخر، شيء يجعل حتى هذا “التقسيم حسب الرؤية” يرتجف بين يديّ. لأنني كلما سمعت تعليقات مقززة عن “إرسال شيعة لبنان إلى العراق”، أشعر بغضب يهز كياني ويكاد يخيفني. ليس فقط بسبب الابتذال والجهل وسهولة نفي الآخرين من أرضهم، بل لأنني أعرف أنه، مهما كان غسل الأدمغة، مهما كان الإحباط، مهما كانت الدعاية التي ربطت جزءًا من هذه الجماعة بإيران، فهؤلاء لبنانيون. أعرف ذلك ليس كشعار، بل كذاكرة أرض. نحن من الجنوب نفسه. أعرف ما تفعله تلك الأرض بمن ينتمون إليها. أعرف كيف تحتضنهم، وكيف يتمسكون بها، بعناد، بشكل غريزي، كما يتمسك المرء بنبضه. فربما السؤال ليس كيف ننقذ أنفسنا ببترهم، بل كيف ننقذهم مما جعلهم هكذا. لأن بلدًا يبدأ في التفكير في شعبه كشيء قابل للتخلص منه يكون قد بدأ بالفعل في الموت، ببطء، بمنهجية، كجسد يخلط بين النجاة وتشويه الذات.
هناك تلك النكتة القديمة بيني وبين صديقي. أو بالأحرى، كانت هناك. يضحك حين يقولها. كنت أضحك أيضًا. لكن شيئًا في داخلي يقاوم الضحك الآن. لأنني أعرف أنه إذا جاء ذلك اليوم، إذا تكسّر البلد فعلًا إلى كابوسه المألوف، فلن أعرف أي جهة هي جهتي.
ولا هو سيعرف.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).