توم نايدس: حين كنتُ سفيرا لم يتحدث أحد أمامي عن فكرة “إسرائيل الكبرى”

Loading

اختفت الخريطة القديمة. قبل سنتين ونصف، كانت صورة الشرق الأوسط واضحة: إيران في جانب، وإسرائيل والولايات المتحدة في الجانب الآخر، وكل الآخرين عالقون في المنتصف. السابع من أكتوبر غيّر ذلك. وكذلك الحروب التي أعقبته، والضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران مطلع هذا العام.

ما سيحل محل تلك الصورة لم يتبلور بعد، لا في واشنطن ولا في القدس ولا في الرياض ولا في بيروت.

توم نايدس، الذي شغل منصب السفير الأميركي لدى إسرائيل في عهد الرئيس جو بايدن بين عامَي 2021 و2023، ويشغل اليوم منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة بلاكستون، إحدى كبرى شركات الاستثمار في العالم، تحدّث في حلقة من برنامج (ذي ديبلومات) أجراها معه مدير مكتب واشنطن، جو الخولي، ورئيسة التحرير ليلى بزي، عن شكل الخريطة الجديدة، ومن يرسمها.

نتنياهو وبن غفير والانجراف نحو اليمين

شغل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، منصبه ما يزيد على سبعة عشر عاما مجتمعة. وهو بذلك أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في المنصب. تعتمد حكومته الراهنة على شريكَين من أقصى اليمين: إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية. كلاهما يطالب بتوسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وأصواتهما هي ما تُبقي نتنياهو في السلطة.

“بن غفير مُستقوٍ،” يقول نايدس، “دور سموتريتش في دفع عجلة التوسع الاستيطاني أمر فظيع بالنسبة لي. فظيع لإسرائيل، وفظيع بالتأكيد للشعب الفلسطيني، وفظيع لأي فرصة في التوصل يوما إلى حل الدولتين”.

رفض نايدس الاجتماع بأي منهما خلال فترة عمله سفيرا لدى إسرائيل، ويتوقع أن يفشل كلاهما في تجاوز العتبة الانتخابية في انتخابات أكتوبر المقبل. لكن الضرر، يقول، وقع بالفعل.

فكرة “إسرائيل الكبرى”، القائمة على أن الأرض الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط تعود بالكامل للشعب اليهودي من دون أي مجال لدولة فلسطينية، عادت إلى الواجهة بعد أن تحدث السفير الأميركي الحالي مايك هاكابي عنها بإيجابية في لقاء مع الإعلامي الأميركي، تاكر كارلسون، فبراير  الماضي.

يقول نايدس إن أحدا لم يطرح هذه الفكرة معه في القدس، ووصف التوسع الاستيطاني بأنه “ممنهج وخفيّ”، استراتيجية مقصودة لجعل حل الدولتين مستحيلا قبل إعلان التخلي عنه رسميا.

لبنان: سيادة أم خطاب؟

للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاما، جلس السفيران الإسرائيلي واللبناني على طاولة واحدة في واشنطن هذا الأسبوع. وأتاح عقد هذا اللقاء الضعف الذي أصاب حزب الله في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية والصراع الإقليمي الأشمل المرتبط بإيران. وأعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي تولى منصبه في يناير بعد فراغ سياسي دام عامَين، أن لبنان لن يكون بعد اليوم ساحة لحروب الآخرين.

سألنا نايدس إن كانت هذه المرة مختلفة فعلا. قال: “من فمك إلى باب السماء”.

حزب الله، الذراع المسلحة المدعومة من إيران والتي عملت لعقود كدولة داخل الدولة في لبنان، لن ينزع سلاحه بسرعة. “هل أعتقد أن ذلك سيحدث غدا؟ لا. هذه مسارات تدريجية. تحتاج وقتا”. وأشار نايدس إلى غزة، حيث لا تزال حماس تسيطر على نحو نصف الأراضي رغم قرابة عامَين من العمليات العسكرية الإسرائيلية، كدليل على بطء انكفاء الجماعات المسلحة المتجذرة.

ما يمنحه الأمل ليس السياسيين. “لقد سئم الشعب اللبناني في الجنوب، وحتى من يعيشون في بيروت، هذا الوضع”، يقول.

المسألة النووية

سعت إيران وراء برنامجها النووي لعقود، مؤكدةً أنه للأغراض السلمية. وفرضت اتفاقية 2015، التي جرى التفاوض عليها في عهد الرئيس أوباما وتُعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة، قيودا صارمة على قدرات إيران في التخصيب مقابل رفع العقوبات. وانسحب الرئيس ترامب من تلك الاتفاقية عام 2018، ووسّعت إيران عمليات التخصيب سنة بعد أخرى.

استهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية مطلع هذا العام البنية التحتية النووية الإيرانية للمرة الثانية. لكن نايدس كان حذرا في تقييم نتائجها. بالنسبة له، جرى إضاعف القدرة، لا استئصالها. ولم تعد اتفاقيات المراقبة التي كانت تتيح للمفتشين الدوليين الاطلاع على ما يجري في البرنامج النووي الإيراني لم تعد سارية.

يقول نايدس: “منذ أن مزّق ترامب الاتفاقية حتى اليوم، لم تزد إيران إلا اقترابا من امتلاك سلاح نووي”. وأثنى على إدارة ترامب لأنها أجادت “تقليص، لا استئصال” القدرات الإيرانية. لكنه كان صريحا بشأن المآل.

“أعتقد أنه في نهاية المطاف ستُبرم صفقة ما، وستبدو شبيهة جدا بالصفقة التي أبرمها باراك أوباما. لن تُسمى بالاسم ذاته. ستُسمى اتفاقية ترامب، ‘أفضل اتفاقية على الإطلاق’. لكن هذا هو المسار، لأنه في نهاية المطاف لا بد من اتفاقية”.

السعودية وغزة

اتفاقيات أبراهام التي توسطت فيها إدارة ترامب عام 2020 طبّعت العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب. كانت المملكة العربية السعودية الهدف التالي والأكثر أهمية. أرادت الرياض معاهدة أمنية رسمية مع الولايات المتحدة مقابل التطبيع مع إسرائيل. وكان كبار المسؤولين الأميركيين يتوافدون على الرياض بانتظام. ثم جاء السابع من أكتوبر، الذي قُتل فيه نحو 1200 إسرائيلي وأُسر نحو 250، فتوقف كل شيء.

حين سُئل عما إذا كانت المملكة قد أحسنت المناورة على واشنطن بحصولها على طائرات إف-35 وتعاون نووي وضمانات أمنية دون تنازل دبلوماسي واحد تجاه إسرائيل، رفض نايدس هذه القراءة. ما حصلت عليه الرياض، قال، مصافحة لا معاهدة. “ما كانت قيادة المملكة العربية السعودية تسعى إلى تحقيقه هو معاهدة طويلة الأمد تمر بالتصويت في مجلس الشيوخ الأميركي”. يعلم السعوديون أن الإدارات تتبدل.

في ما يخص غزة، يُقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بـ71 مليار دولار، في حين لا تتجاوز التعهدات 17 مليار دولار. وقال نايدس إن إسرائيل “كان بإمكانها أن تُؤدي عملاً أفضل بكثير على صعيد الملف الإنساني” خلال النزاع. “لا ينبغي أبداً أن يُستخدم الغذاء والماء سلاحاً ضد المدنيين الأبرياء”. وأضاف أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تقع على عاتق الولايات المتحدة وحدها، بل تستلزم مشاركة إقليمية من مصر والسعودية وقطر والكويت ولبنان، لاعتبارات أمنهم قبل اعتبارات غزة.

حين سألناه عمّا كان سيُغيّره لو أتيحت له الفرصة، أعطى ثلاث إجابات: معارضة أكثر حزماً للتوسع الاستيطاني، وقيادة جديدة للسلطة الفلسطينية، وكل ما كان ممكنا لمنع السابع من أكتوبر. “كان فشلاً أمنياً كاملاً من الجانب الإسرائيلي. وكان عملاً وحشياً من جانب حماس. ولم يكن يجب أن يحدث”.

سيتنتهي الحروب. ما سيحلّ محلها يُجرى التفاوض عليه الآن. وما إذا كانت أوضاع سكان الخريطة الجديدة ستتحسن، يبقى سؤالا معلقا.