حان الوقت كي ينضج لبنانأضحى لبنان غارقاً في لُجّة الصدمات؛ فليكن التفكيرُ مَسعانا هذه المرة، ولو من باب التغيير

حان الوقت كي ينضج لبنانأضحى لبنان غارقاً في لُجّة الصدمات؛ فليكن التفكيرُ مَسعانا هذه المرة، ولو من باب التغيير

Loading

عندما رأيت العلمين، اللبناني والإسرائيلي، إلى جانب بعضهما، لم أستطع إلا أن أشعر بالغثيان.” هكذا كتب “ن”، وهو شاب لبناني مسيحي، على منصة. X

“لا أطيق الانتظار حتى أسهر في ملاهي تل أبيب الليلية!” كتب “د”، وهو شاب لبناني مسلم، على المنصة نفسها.

قرأت هذين المنشورين صباح 15 أبريل/نيسان 2026، أي في اليوم التالي للاجتماع غير المسبوق، وجهاً لوجه، في واشنطن بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، والذي استضافه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضمن محاولة أميركية جديدة لإطلاق محادثات مباشرة بين الدولتين.

كان الاجتماع بحد ذاته استثنائياً: أول لقاء دبلوماسي مباشر من هذا النوع منذ عقود، وقدّمته واشنطن كبداية لمسار لا كاختراق. لبنان، من جهته، شدد علناً على وقف إطلاق النار والإغاثة. بينما شددت إسرائيل على نزع سلاح حزب الله. ولم يتمكن الطرفان من إيجاد أرضية مشتركة.

أما منشورا وسائل التواصل الاجتماعي، وكلاهما رد فعل على الحدث نفسه، فكانا، نعم، مثيرين للحرج بدرجة متساوية. لكنهما لم يكونا متساويين فيما كشفاه.

أحدهما كان محرجاً لأنه اختزل هوّة تاريخية وسياسية كاملة في رعشة جسدية، كما لو أن الغثيان موقف سياسي كافٍ، وكأن الأخلاق يمكن تلخيصها في تقلص من الاشمئزاز. أما الآخر فكان محرجاً لأنه أدّى دور التحرر بلغة الحياة الليلية، كما لو أن التاريخ ملهى ليلي، وأن العدالة عرض موسيقي، وكأن المرء يستطيع أن يرقص للخروج من سفك الدماء.

ومع ذلك، فإن كليهما، بطريقته المحرجة الخاصة، بدا لي عرضاً لمرض أعمق: عجز لبناني، أو رفض، للتفكير خارج ردود أفعالنا القديمة. لقد أصبحنا بلداً من التشنجات. وطنية انعكاسية. ولا وطنية انعكاسية. تقوى أخلاقية انعكاسية. استفزاز انعكاسي. نحن لا نفكر. نحن نرتعش. لا نفحص. نحن نتباهى. لا نبني هيكلاً أخلاقياً. نشهر الهوية كسلاح، أو نخلعها كذريعة.

حان الوقت كي ينضج لبنانأضحى لبنان غارقاً في لُجّة الصدمات؛ فليكن التفكيرُ مَسعانا هذه المرة، ولو من باب التغيير

إحاطة إيران من MBN

متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.

العفن على جدراننا

أذكر ديانة كاتبي المنشورين لا لأنني أعتقد، ولو لثانية واحدة، أنهما يمثلان طائفتيهما. أبدا. لبنان ليس مجموعة عينات طائفية مرتبة. لا يقول المسيحي ما يقوله لأنه مسيحي. ولا تقول المسلمة ما تقوله لأنها مسلمة. الناس يقولون ما يقولون بسبب سيرهم الذاتية، طبقاتهم الاجتماعية، غرورهم، خوفهم، ضغائنهم، أوهامهم، صدماتهم، جهلهم، انتهازيتهم، استعراضهم الوطني، وألف شق غير مرئي يشكل الذات.

أذكر انتماءهما لأن لبنان يذكره حتى عندما يتظاهر بأنه لا يفعل. لأن الطائفة لا تزال العفن على جدراننا. لأننا حتى عندما نظن أننا نتحدث كأفراد، فإن البلد لا يزال يتحدث من خلالنا بصوته البطني القديم.

ومع ذلك، سأكون كاذبة لو ادعيت أن المنشور الأول لم يؤثر فيّ بطريقة معينة، تحديداً لأنه صدر عن مسيحي. ليس لأنني أفترض أن المسيحيين بطبيعتهم مؤيدون للتطبيع (أي إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل)، وبالتأكيد ليس لأنني أرى المسيحيين اللبنانيين ككتلة سياسية أو عاطفية واحدة. لكن بالنظر إلى التاريخ المعروف من التعاون بين أجزاء من اليمين المسيحي اللبناني وإسرائيل، خصوصاً حول غزو عام 1982، كان يمكن توقع استثمار عاطفي أقل في لاهوت العداء الدائم. ومع ذلك، كان الأمر حاضراً: نفس الاشمئزاز المتعالي الذي قد يتوقعه المرء من شيعة لبنانيين جُرحت حياتهم ومجتمعاتهم مباشرة من اعتداءات إسرائيلية متكررة. وهذا أيضاً كان كاشفاً.

ما لفتني لم يكن فقط أن رد الفعلين جاءا معكوسين عما قد يُتوقع من كل منهما. بل أن كليهما كان سطحياً. أحدهما تمسك باشمئزاز مبتذل كأنه إنجاز أخلاقي. والآخر اندفع نحو خرق مبتذل كأنه شجاعة. أحدهما قال “لا” بمفردات المحظور. والآخر قال “نعم” بمفردات الاستعراض. ولم يكن أي منهما مهتماً بالعمل الشاق، المرهق، الناضج، لطرح السؤال: ماذا نرى تحديداً؟ ما الذي يُتفاوض عليه، ومن قبل من، وتحت قصف من، وعلى حساب من، وبأي ثمن؟

لأن هذه هي الفضيحة الحقيقية هنا. ليس منظر العلمين جنباً إلى جنب. ولا خيال السهر في تل أبيب. الفضيحة الحقيقية هي أن هذا النقاش يحدث بينما لا يزال العنف الإسرائيلي ضد لبنان مستمراً، بينما لا يزال النزوح والموت والإذلال والرعب تشكل الواقع اليومي لكثير من اللبنانيين.

التطبيع بلا سلام تناقض في حد ذاته

فلنبدأ من هنا، بحد أدنى من الصراحة. لا ينبغي لأي شخص جاد أن يسيل لعابه للتطبيع بينما رائحة الركام لا تزال في الهواء. ولا ينبغي لأي شخص جاد أن يتخيل أن وضع سفيرين في غرفة يمحو حقائق السيطرة الميدانية والعمليات العسكرية أو الاختلال أو الإفلات من العقاب في هذه المنطقة. الدبلوماسية ليست براءة. الاجتماع ليس خلاصاً. المصافحة ليست عدالة. وضع علمين جنباً إلى جنب لالتقاط صورة لا يحولهما، عبر معمودية علمانية سحرية، إلى روايتين متساويتين تصالحتا أخيراً. السلطة لا تغيب عن الصورة، فهي من ينسقها.

لكن الصراحة تتطلب منا أيضاً شيئاً آخر: أن نتوقف عن التعامل مع كلمة “السلام” كأنها إما إباحية أو تجديف.

على مدى عقود، كنا في لبنان رهائن لمعسكرين بدائيين. أحدهما قدّس العداء، يتغذى على فكرة الرفض الأبدي والتعبئة الأبدية والحصار الأبدي، كما لو أن الحرب ليست كارثة بل عطر أخلاقي. أما الآخر، الأقل ضجيجاً، فقد قدّس التطبيع، كما لو أن القرب من القوي يرفع تلقائياً من شأن الضعيف، وكأن قول “لنمضِ قدماً” دليل رقي لا أمية أخلاقية. وبين هذين الابتذالين، يختنق الفكر.

وفي هذا الاختناق، أجد نفسي أقرب إلى وضوح موقف رئيس الوزراء نواف سلام: الإصرار على سلطة الدولة، ورفض أن يبقى لبنان مسرحاً مفتوحاً لحروب الآخرين، والتأكيد على أن الدبلوماسية والسيادة وصنع القرار يجب أن تعود إلى المؤسسات لا إلى الميليشيات أو المخلّصين أو المتحدثين بالنيابة عن قوى إقليمية. هذا ليس تفصيلاً صغيراً. بل هو التفصيل الأساسي. فما هو البلد إن لم يكن المكان الذي يجب أن تحتكر فيه الدولة القوة الشرعية؟ وما هي الجمهورية إذا كانت مجموعات مسلحة تستطيع في أي لحظة أن تتجاوزها، وتبتزها، وتجرها إلى الكارثة، ثم تطلب من مواطنيها أن يلفّوا حزنهم بلغة المقاومة والبطولة؟

دعوني أكون أوضح، لأن الوضوح غالباً ما يُضحّى به في لبنان على مذبح التلميح. أنا ضد وجود ميليشيا مسلحة داخل الدولة. بالكامل. وبلا لبس. هذا يفرغ المواطنة من معناها. ويُبقي المؤسسات في حالة طفولة. ويحوّل البرلمان إلى ديكور، والحكومة إلى خيال، والسيادة إلى إشاعة موسمية. لا يمكن لأي بلد أن يعيش برأسين، وجيشين، ومنطقين، وحقيقتين، واحدة رسمية وأخرى فوق المساءلة.

ونعم، أنا أيضاً ضد التلاعب الماكيافيلي الذي مارسته إيران عبر تحويل جزء كبير من الطائفة الشيعية في لبنان إلى أداة، بتحويل الألم إلى نفوذ، والإيمان إلى استراتيجية، والشهادة إلى ورقة تفاوض جيوسياسية. قول هذا ليس اتهاماً لشيعة لبنان، الذين هم متنوعون، مجروحون، أذكياء، محاصرون، ويستحقون الكرامة مثل غيرهم. بل هو العكس تماماً. هو رفض أن تستمر طائفة كاملة في أن تُستخدم كوقود للحروب، وكعاطفة مستثمرة، وكدرع مقدس في معارك تتجاوزها وتستنزفها. هو رفض أن يبقى أبناء الجنوب والبقاع متاحين للدفن تحت رايات صُممت في أماكن أخرى. هو رفض أن تستمر لغة الحماية في إخفاء آلة استغلال.

كفانا تلك الاتهامات المكررة

أعرف أن هذا هو المكان الذي تبدأ فيه الاتهامات المعتادة: خيانة، نخبوية، صهيونية، تغريب، تحيز طائفي، ذلك الكاريوكي الممل للترهيب. لكن يأتي وقت يجب أن يختار فيه المرء بين الإنصاف والطاعة. وأنا أختار الإنصاف. والإنصاف يقتضي أن نقول أمرين في آن واحد: إن عنف إسرائيل ضد لبنان مرفوض، وإن استحواذ إيران على حياة اللبنانيين عبر وكلاء مسلحين هو أيضاً إجرامي، وإن كان في سجل مختلف. كون أحد الاعتداءين يأتي من دولة عدوة، والآخر عبر سيطرة أيديولوجية، لا يجعلهما أقل تدميراً للجسد والذاكرة والمستقبل.

أنا متعبة من كلا المعسكرين. متعبة من الذين يحولون المقاومة إلى إعفاء دائم من النقد. ومتعبة من الذين يحولون السلام إلى إكسسوار نمط حياة. متعبة من السذج العاطفيين ومن الساخرين الانتهازيين. متعبة من الذين يستدعون الكرامة لتبرير الدمار المستمر، ومن الذين يستدعون البراغماتية لتعطير الظلم. ومتعبة، فوق كل شيء، من إدمان اللبنانيين على الحلول المختصرة. نريد كبسولات: شعار واحد، إيموجي واحد، محظور واحد، استفزاز واحد، تغريدة واحدة، ونظن أن هذا هو موقفنا.

لكن لا. التاريخ لا يُختزل في تغريدة. ولا العار. ولا التواطؤ. ولا الذاكرة.

ماذا يقول “ن” و “د” فعلاً، تحت هذا الإحراج؟ يبدو أن “ن” تقول: سأكون أكثر ملكية من الملك. وكأن كونها مسيحية يجعلها موضع شك، فتسارع لإثبات العكس عبر تبني الموقف الأقل توقعاً منها، أي الوقوف إلى جانب حزب الله. أما “د” فتقول: أريد الخروج. الخروج من الشعارات الموروثة، من الاختناق، من البطولة المحلية الضيقة، من الحروب. كلا الردين مفهوم على مستوى العرض. وكلاهما فقير على مستوى التفكير.

وهنا تصبح المسألة مؤلمة. لبنان اليوم مصنع لفكر فقير. لقد تعرضنا للوحشية لفترة طويلة لدرجة أن كثيرين منا لم يعودوا يعرفون الفرق بين التمييز ورد الفعل. نحن إما مجروحون أكثر من اللازم لدرجة التفكير، أو متحمسون أكثر من اللازم لإظهار اختلافنا عن المجروحين. خطابنا مسرح لأعصاب منهكة. البعض يتمسك باليقينيات القديمة لأن الشك يبدو خيانة. والبعض يندفع نحو كسر المحظورات لأن ذلك يبدو كالأوكسجين. لكن لا أحد يطرح السؤال الأساسي: أي سلام، وبأي شروط؟

أنا لا أهتم بـ “لا” المقدسة ولا بـ “نعم”  العصرية. ما يهمني هو العدالة. السيادة. التحرر من الابتزاز، أي ابتزاز. التحرر من الهجمات العسكرية الإسرائيلية، بالطبع. والتحرر أيضاً، وبالقدر نفسه، من مصادرة الدولة داخلياً عبر ميليشيا مسلحة، أو عبر إيران، أو عبر فصائل تعيش على الاستثناء الدائم. يهمني لبنان لا يضطر للاختيار بين أن يُقصف من الخارج وأن يُحتجز من الداخل. لبنان لا يخلط بين البقاء والخلاص، ولا بين التعب والحكمة.

وهذا أيضاً يجب قوله. بعض اللبنانيين، خصوصاً الشباب، لا يحلمون بالتطبيع لأنهم درسوا التاريخ وبلغوا استنتاجاً سياسياً ناضجاً. بل لأنهم متعبون. متعبون حتى العظم. من الحرب، من الشعارات، من الحدود، من ذكورية الميليشيات، من ثقافة الجنازات، من أن يُقال لهم إن التضحية هي أفقهم الأعلى. متعبون من أن يولدوا في بلد حيث كل مستقبل إما مرهون أو مُعسكر. رغبتهم ليست دائماً أيديولوجية. أحياناً هي ببساطة رغبة سجناء حُرموا الهواء طويلاً، حتى صار أي شق في الجدار يبدو كأنه خلاص.

حان الوقت كي ينضج لبنانأضحى لبنان غارقاً في لُجّة الصدمات؛ فليكن التفكيرُ مَسعانا هذه المرة، ولو من باب التغيير

أجندة MBN

نشرة أسبوعية تقدّم رؤى وتحليلات من داخل دوائر واشنطن حول قضايا الشرق الأوسط.

القبر الذي لا يمكن الوصول إليه

أمس، بينما كان كل هذا الضجيج يتصاعد على الإنترنت وفي الصالونات الدبلوماسية، وجدت نفسي أفكر في شيء بسيط بشكل فاضح: قبر والدي في بلدته يارون. وجدت نفسي أتساءل، ليس عن المفاوضات ولا الأعلام ولا الترتيبات الأميركية، بل عن متى سأتمكن من الذهاب إليه مجدداً دون خوف، دون حسابات، دون هذه الحاجة المشوهة لاستشارة الحرب قبل استشارة الحزن.

يارون الآن تقع في ذلك الشريط الجنوبي من بلدي الذي أعلنت إسرائيل أنه منطقة محظورة على اللبنانيين، ما حوّل بلدة والدي إلى واحدة من قرى كثيرة أُفرغت وقُصفت وأصبحت عملياً غير قابلة للوصول منذ التصعيد الأخير. متى يُسمح لابنة أن تزور قبر أبيها بسلام؟ أي بلد هذا الذي يخضع الحداد لجدول عسكري؟

هذا أيضاً ما تفشل تلك المنشورات السطحية في فهمه. خلف كل خطاب كبير عن الحرب أو المقاومة أو السلام أو التطبيع أو الاستراتيجية، هناك أيضاً هذا: امرأة لا تستطيع زيارة قبر أبيها. ذكريات طفل صودرت عند خطوط النار. منزل فُقد إلى الأبد. والجثث المدفونة تحت الركام.

لا أقول هذا لتسييس العاطفة، بل لإعادة السياسة إلى البشر الذين تسحقهم. فما هي السيادة إن لم تكن أيضاً الحق في دفن موتانا، وزيارتهم، وتذكرهم دون إذن، ووراثة الأماكن دون التفاوض مع الصواريخ أو الميليشيات أو القوى الأجنبية؟

إلى أين نذهب من هنا؟ بالتأكيد ليس إلى طفولية وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُختزل كل جروح معقدة في استعراض. ولا إلى قراءة طائفية لكل موقف. ولا إلى تمجيد الحرب، ولا إلى سلام تجميلي.

نذهب، إذا كنا لا نزال قادرين، إلى تلك المنطقة الوسطى الصعبة التي يكرهها الجميع لأنها لا تمنح تصفيقاً فورياً. منطقة قول عدة حقائق في آن واحد.

نعم، المحادثات المباشرة بين دول عدوة حدث تاريخي مهم. نعم، الحديث أفضل من القتل. نعم، لا يمكن لأي دولة جادة أن تبني مستقبلها على حرب دائمة. نعم، من حق اللبنانيين أن يحلموا بحياة عادية، بل مملة حتى، بلا صواريخ ولا جبهات ولا خطابات عن المصير والصمود.

ونعم أيضاً، أي حديث عن السلام يتجاهل واقع العنف الإسرائيلي المستمر والسيطرة والتفوق الإقليمي واختلال موازين القوى، ليس سلاماً بل إكراهٌ بواجهة أفضل.

ونعم أيضاً، أي خطاب لبناني داخلي يعتبر نقد السلاح غير الشرعي خيانة، ساهم أيضاً في إيصالنا إلى هنا.

هذا ما أتمنى أن يجرؤ شبابنا على قوله، بدلاً من التغريد بالغثيان أو الشهوة الليلية. أتمنى أن يشككوا في محظوراتهم الموروثة وتمرداتهم الموروثة. أن يفهموا أن التحرر الحقيقي ليس عكس الشعار، بل رفض أن تُحكم بالشعارات أصلاً.

لا نحتاج المزيد من الصدمات. لقد تناول لبنان جرعة زائدة منها. نحتاج إلى التفكير. تفكير بارد، شجاع، غير جذاب. نحتاج إلى جيل قادر على مقاومة نوعين من الإدمان: إدمان الرفض من أجل الرفض، وإدمان التطبيع من أجل التطبيع. نحتاج إلى أشخاص ينظرون إلى صورة العلمين ولا يقولون “كم هو مقرف” ولا “أين أقرب ملهى؟”، بل يسألون: من رتّب هذه الصورة؟ من يستفيد منها؟ ما الذي تخفيه؟ وأي مستقبل قد يجعل هذا القرب يعني شيئاً غير الإذلال؟

وقت النضج

لهذا فإن دعمي للمنطق الذي يمثله نواف سلام ليس دعماً لمخلّص، ولا لقديس. أنا لا أؤمن بالقديسين في السياسة. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لذلك. هو دعم لمبدأ: أن تعود الدولة دولة. أن تعود قرارات الحرب والسلام إلى الشرعية الدستورية. ألا تُحتجز أي طائفة لدى حراسها المزعومين. ألا تُجامل أي جماعة بينما تُضحى بها. وأن يتوقف لبنان عن أن يكون حرفاً في أبجدية الآخرين.

لأن هذا هو السؤال الحقيقي، وليس ما إذا كان يمكن للعلمين أن يقفا جنباً إلى جنب أمام الكاميرا. السؤال الحقيقي هو: هل يمكن للبشر تحت تلك الأعلام أن يعيشوا يوماً في عالم لا يقوم على الهيمنة والإنكار والحصار والدم؟ هل يمكن أن يعني السلام في هذه المنطقة أكثر من صمت يفرضه القوي على الضعيف؟ هل يمكن للبنان أن يصبح دولة قبل أن يصبح رمزاً؟ هل يمكن أن نصبح مواطنين قبل أن نصبح وسوماً؟

حتى ذلك الحين، اعذروني، لا صبر لدي على الغثيان كحجة، ولا على أحلام تل أبيب كفلسفة.

الأول رد فعل مراهق. والثاني نشوة مراهقة. ولبنان يستحق، على الأقل، أن يبلغ سن الرشد الآن.


 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).