![]()
في جدة، حيث يلتقي قادة دول مجلس التعاون الخليجي في قمة تشاورية، لا يبدو الاجتماع حدثا بروتوكوليا عاديا. فالتوقيت وحده يمنحه ثقلا خاصا: منطقة تعيش على وقع هجمات طالت منشآت نفطية وحيوية، وقلق حول أمن مضيق هرمز، وجهد دبلوماسي يحاول أن يمنع التصعيد من التحول إلى مواجهة أوسع.
يتصدر الملف الإيراني جدول القمة، ليس بوصفه بندا خارجيا فحسب، بل باعتباره اختبارا مباشرا لقدرة العواصم الخليجية على إدارة الخطر المشترك من دون أن تنكشف تبايناتها. فالهجمات المنسوبة لطهران وحلفائها، والأضرار التي خلفتها، أعادت طرح السؤال القديم داخل الخليج: كيف يمكن الجمع بين الردع والتهدئة؟ وهل يتحرك المجلس ككتلة واحدة، أم كدول متجاورة لكل منها حساباتها وحدودها ومخاوفها؟
قبل القمة، أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اتصالا بنظيره الإيراني عباس عراقجي، في إشارة إلى أن الرياض لا تغلق باب التواصل، حتى في لحظة تصعيد. ولم يكن الاتصال معزولا عن حراك أوسع. فقد زار عراقجي مسقط والتقى السلطان هيثم بن طارق، في إطار وساطة عمانية تحاول إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين طهران وواشنطن.
هكذا تبدو المنطقة عالقة بين مسارين متوازيين: توتر أمني يرفع منسوب القلق في الخليج، ودبلوماسية نشطة تحاول منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لكن داخل البيت الخليجي، لم يعد المشهد بالقدر نفسه من الانسجام الذي ظهر في الساعات الأولى للأزمة. في البداية، صدرت مواقف متقاربة في إدانة الهجمات. غير أن تتابع الأحداث كشف اختلافا في النبرة والنهج. تحركت قطر مبكرا لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد، مع طهران، في مقاربة تقوم على احتواء التصعيد قبل تمدده. في المقابل، بدت الإمارات والبحرين والكويت، بدرجات مختلفة، أكثر ميلا إلى خطاب الحزم والردع.
ورغم انخراط أبوظبي في اتصالات تهدئة، بينها تواصل منصور بن زايد، نائب الرئيس الإماراتي، مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، بقي الخطاب الإماراتي صريحا في توصيف التهديد. وبرز ذلك في تصريحات المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، أنور قرقاش، الذي قال إن دول الخليج نجحت في تجاوز تداعيات ما وصفه بـ”العدوان”، مشيرا إلى أن كسب المعركة يبدأ، في جزء منه، من رفض تبني سردية الخصم. وهي إشارة تعكس إدراكا متزايدا لأهمية البعد الإعلامي والسياسي في إدارة الصراع.
ما يظهر في جدة، إذا، ليس خلافا عابرا في اللهجة، بل اختلاف في تقدير الطريق الأنسب للتعامل مع إيران. بعض العواصم ترى أن رفع كلفة التصعيد هو المدخل الضروري لاحتواء الخطر. وأخرى تميل إلى مقاربة أكثر حذرا، تراهن على الدبلوماسية وخفض التوتر، خوفا من أن تدفع المنطقة كلها ثمن حرب لا يمكن ضبط حدودها.
من هذه الزاوية، تصبح القمة اختبارا لمجلس التعاون نفسه: هل يستطيع تحويل اختلافات أعضائه إلى توزيع أدوار محسوب، أم أن الأزمة ستكشف حدود التماسك الخليجي حين يصبح التهديد مباشرا؟
يرى الباحث والمحلل السياسي محمد حمود البغيلي أن المشهد الخليجي لا يتحرك في اتجاه واحد. فبعض الدول، كما يقول، تفضل احتواء التصعيد “لكسر دائرة الاعتداءات وتقليص الخسائر”، خصوصا مع الخشية من أن تكون أي موجة لاحقة أكثر عنفا. وفي هذا السياق، يبرز الدور العماني بوصفه قناة توازن، مستفيدا من علاقات مسقط بطهران ومن تقليد طويل في الوساطة.
لكن البغيلي لا يرى في ضبط النفس غيابا للتنسيق. فهو يعتبر أن تبني خيار الدفاع والصبر الاستراتيجي يعكس قدرا من التفاهم المسبق بين دول المجلس، مع استبعاد الردود الفردية إلا إذا وقعت خسائر بشرية كبيرة أو أضرار جسيمة في المنشآت.
أما الأكاديمي والكاتب السياسي عايد المناع فيميل إلى قراءة أقل تشاؤما. برأيه، ما زال هناك توافق خليجي عام على رفض السلوك الإيراني، حتى وإن ظهرت تباينات في التفاصيل. ويشير إلى خصوصية الموقف العماني، المرتبط بعلاقات تاريخية مع إيران ودور وساطة بين طهران وواشنطن. بالنسبة إليه، ليست هذه التباينات دليلا على انقسام، بقدر ما هي محاولة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في أزمة تمس أمن الملاحة والاقتصاد الخليجي مباشرة.
في المقابل، يقدم المحلل السياسي والاستراتيجي عبدالله غانم القحطاني قراءة أكثر حذرا. فهو يرى أن الحديث عن موقف خليجي موحد لا يزال مبكرا، سواء في إدارة العلاقة مع إيران أو في صياغة مفهوم مشترك للأمن. ويقول إن السياسات الإيرانية لم تميز بين دولة خليجية وأخرى، إذ وصلت تداعياتها إلى مختلف دول المجلس، بغض النظر عن طبيعة علاقة كل دولة بطهران.
ويخلص القحطاني إلى أن ما يجري الآن أقرب إلى إدارة ظرفية للأزمة منه إلى بناء استراتيجية خليجية طويلة المدى. فاستمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى حضور السياسات الفردية لدى بعض الدول، يجعلان توحيد المواقف مهمة صعبة في المدى القريب.