![]()
حديث المدينة – السبت 4 أبريل 2026
من غرائب الحالة السودانية، تنقلات أكثر من المعتاد في المؤسسة العسكرية، تثير تسونامي من الأخذ والرد في وسائط التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض. بل هناك من يرشح قادة عسكريين لشغل مناصب في الجيش، بمعرفته أو بدونها، وقد لا يكون يعلم عن العسكرية شيئًا، رغم أن المؤسسة العسكرية تعد من أكثر قطاعات الدولة تداولًا للمواقع بصورة دورية روتينية.
والمصيبة الأعظم أن من يتجادلون في تغييرات المناصب العسكرية يظنون أنهم يحسنون صنعًا، وأن ذلك تعبير عن حبهم ودعمهم للجيش، خاصة في ظل الظروف الراهنة.
مثل هذا التناول المكثف في الوسائط والصحف والإعلام عمومًا للتنقلات العسكرية، يمكن اعتباره – تخفيفًا – نوعًا من النيران الصديقة؛ ضرر بالغ يأتي من باب حسن النوايا. إذ إن الحكمة المعروفة تنص على أن «العدو العاقل خير من الصديق الجاهل»، فالصديق، ولأنه قريب، يصيب بجهله من لا يستطيع العدو – لأنه بعيد – أن يصيبه.
الأمر لا ينحصر في تناول التنقلات في المواقع العسكرية، بل يتجاوزه إلى تقديم الوصفات – لم أقل التعليمات – التي تشرح للقادة العسكريين كيف يديرون المعارك. تخيل قائداً عسكريًا له في الخدمة والخبرة أربعون سنة، يقرأ في الوسائط نصائح من لم يمسك في يده بندقية قط، يشرح له – طالما وصل إلى منصب رئيس الأركان – كيف يدير المعارك في المرحلة المقبلة!
هذا لا يحدث إلا في السودان. كأنها مباراة كرة قدم، والجمهور في المدرجات يصرخ في اللاعبين: «تقدم هنا» و«تأخر هناك»، و«افعل هذا» و«اترك ذاك».
لكن الأنكى من ذلك، تجد من يكتب في الوسائط أو الصحف عن نفسه: («أنا أدعم الجيش») أو («أنا منحاز للجيش») كأن الجيش فريق كرة قدم أو حزب سياسي، بما يتيح أريحية الاختيار.
الجيش في أي دولة في الدنيا هو في مقام الجنسية؛ لا يُتوقع من سوداني أن يقول: «أنا أدعم السودان» أو «أنا منحاز للسودان»، فالأمر هنا ليس فيه خيارات ولا يحتاج إلى إثبات.
من الحكمة أن يدرك البعض أن كثيرًا من الاتهامات الخارجية الخاطئة التي تُوجه أحيانًا ضد الجيش، مصدرها إعلام وطني لا يحسن مهمته.. فيصيب حيث أراد الصواب، فيتسبب بضرر كبير للمؤسسة العسكرية، وهي بريئة الأطفال في عينيه.