![]()
هل البرهان إسلامي فعلاً؟ شهادة مفاجئة من داخل الجيش تكشف ما لا يُقال
النورس نيوز _ بقلم: عميد م / الصوارمي حسن سعد
في خضم الجدل السياسي المتصاعد حول خلفيات وانتماءات رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، عاد العميد المتقاعد د. الصوارمي حسن سعد إلى الواجهة بمقال يحمل طابع الشهادة الشخصية، محاولاً فيه تفكيك الروايات المتداولة بشأن علاقة البرهان بالحركة الإسلامية أو حزب المؤتمر الوطني، ومقدماً رواية مضادة لما طرحه القيادي الإسلامي أمين حسن عمر.
الصوارمي، الذي استند إلى تجربة مباشرة جمعته بالبرهان في بدايات الخدمة العسكرية خلال تسعينيات القرن الماضي، رسم صورة مغايرة للرجل، مؤكداً أنه لم يعرف عنه في تلك الفترة أي انتماء تنظيمي، لا إلى جماعة الإخوان المسلمين ولا إلى ما يُعرف بالحركة الإسلامية، مشيراً إلى أن تلك المرحلة سبقت حتى تأسيس حزب المؤتمر الوطني في العام 1998، ما يجعل – بحسب رأيه – أي ربط مبكر بين البرهان والتنظيمات الإسلامية محل شك.
لكن ما يمنح المقال بعده التحليلي ليس فقط نفي الانتماء، بل محاولة تفسير التناقض الظاهري بين هذا النفي، وبين ما أورده أمين حسن عمر حول تولي البرهان رئاسة المؤتمر الوطني في إحدى المحليات. هنا يطرح الصوارمي مقاربة مختلفة، تقوم على التمييز بين “الانتماء التنظيمي” و”التكليف الإداري”، معتبراً أن تعيين بعض العسكريين في مواقع حزبية خلال فترة حكم الإنقاذ لم يكن بالضرورة تعبيراً عن قناعة سياسية، بل كان – في كثير من الحالات – امتداداً لوظائفهم الدستورية في ظل نظام الحزب الواحد.
هذه النقطة تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة العلاقة المعقدة بين المؤسسة العسكرية والحياة الحزبية في السودان خلال تلك الحقبة، حيث كانت الحدود بين الدولة والحزب تكاد تكون متداخلة، ما جعل بعض المناصب تُمنح للعسكريين بحكم مواقعهم، لا باعتبارهم فاعلين حزبيين بالمعنى التقليدي.
وفي سياق دفاعه، شدد الصوارمي على أن القوانين العسكرية ظلت – نظرياً على الأقل – تحظر على الضباط الانخراط في العمل السياسي الحزبي، وهو ما يعزز، من وجهة نظره، فرضية أن ما نُسب إلى البرهان من أدوار داخل المؤتمر الوطني كان مؤقتاً ومرتبطاً بمهام رسمية، انتهت بانتهاء التكليف وعودته إلى المؤسسة العسكرية.
غير أن هذا الطرح، رغم تماسكه الظاهري، لا يُنهي الجدل بل يعيد صياغته في مستوى أعمق. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان البرهان غير منتمٍ تنظيمياً، فلماذا يحظى بقبول – بل واحتفاء – داخل دوائر محسوبة على التيار الإسلامي أو أنصار النظام السابق؟
الإجابة، كما يلمّح إليها ختام المقال، قد لا تكون مرتبطة بالانتماء بقدر ما ترتبط بتقاطعات المصالح والواقع السياسي الراهن. ففي سياقات ما بعد سقوط نظام الإنقاذ، لم تعد التحالفات تُبنى بالضرورة على أساس عضوية حزبية صريحة، بل على مواقف، وقرارات، وتوازنات قوة على الأرض، ما يجعل بعض القوى ترى في البرهان خياراً مقبولاً أو حتى حليفاً مرحلياً، بغض النظر عن خلفيته الأيديولوجية.
بهذا المعنى، يتحول الجدل من سؤال “هل البرهان كوز أم لا؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما طبيعة العلاقة الحالية بين القيادة العسكرية ومكونات المشهد السياسي القديم؟ وهل نحن أمام تحالفات ظرفية تفرضها المرحلة، أم امتدادات غير معلنة لشبكات نفوذ سابقة؟
في المحصلة، يقدم مقال الصوارمي شهادة مهمة من داخل المؤسسة العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يفتح أبواباً أوسع للنقاش، تتجاوز سيرة الأفراد إلى بنية الدولة نفسها، وطبيعة تداخل العسكري بالسياسي في السودان، وهي أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات حاسمة في واقع شديد التعقيد والتقلب.