القيادة في زمن الأزمات.. قراءة منصفة لدور رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس

Loading

القيادة في زمن الأزمات.. قراءة منصفة لدور رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس

بروفيسور/ أحمد التجاني المنصوري – وزير الثروة الحيوانية

في أوقات الأزمات الكبرى تمر الأمم بلحظات اختبار حقيقية، ويكثر فيها الجدل وتتعالى الأصوات بين ناقد ومؤيد. وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حيّ يتفاعل مع قضاياه الوطنية. غير أن الإنصاف يقتضي أن تُبنى الأحكام على الوقائع لا على الانطباعات، وعلى الحقائق لا على الظنون.

لقد كتب بعض الصحفيين منتقدين سفر رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس، واعتبروا ذلك ابتعاداً عن هموم الوطن في وقت صعب. غير أن هذا الطرح يغفل جانباً مهماً من الحقيقة، وهو أن الرجل منذ توليه المسؤولية يعمل بجد واجتهاد غير مسبوقين من أجل إخراج السودان من أزمته الراهنة.

أولاً، يعلم الكاتب– كما يعلم كثير من المتابعين– أن بروفيسور كامل إدريس يعمل لساعات طويلة تمتد أحياناً إلى ما يفوق ما يعمل به كثير من رؤساء الحكومات في العالم. فهو لا يكتفي بإدارة الدولة من داخل المكاتب، بل يحرص على النزول إلى الميدان والاختلاط بالمواطنين في حياتهم اليومية.

لقد شوهد الرجل مراراً وهو يزور الأحياء والأسواق وأماكن العمل، يستمع إلى المواطنين ويتفقد أحوالهم بنفسه. كما حرص على زيارة أمهات الشهداء ليشد من أزرهن ويواسيهن في مصابهن الجلل، مؤكداً أن الدولة لن تنسى أبناءها الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن.

هذه الزيارات الميدانية ليست مجرد لفتات إعلامية، بل تعكس نهجاً قائماً على القرب من الناس وفهم معاناتهم مباشرة، وهو ما تحتاجه القيادة في مثل هذه الظروف الصعبة.

أما ما يتعلق بسفره الأخير، فيجب أن يُنظر إليه في سياقه الإنساني والواقعي. فالرجل ذهب ليتفقد أسرته ويطمئن على أحوالها في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد. ومن الطبيعي أن يسعى أي رب أسرة إلى تأمين احتياجات عائلته في زمن الحرب، خاصة عندما تكون المؤشرات تنذر بشح في المواد الأساسية والوقود والغذاء.

إن هذا السلوك لا ينتقص من وطنيته ولا من التزامه تجاه شعبه، بل يعكس جانباً إنسانياً من شخصيته. فالقائد، مهما علت مسؤولياته، يبقى إنساناً له أسرة وواجبات عائلية.

كما ينبغي التذكير بأن القيادة لا تُقاس بلحظة واحدة أو بقرار منفرد، وإنما تُقاس بمجمل العمل والإنجازات. ومن ينظر إلى جهود رئيس الوزراء خلال الفترة الماضية يدرك أنه يقود مرحلة إعادة بناء شاقة، تتطلب عملاً دؤوباً في ظروف استثنائية.

لقد شرعت الحكومة في وضع خطط لإعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد، كما بدأت في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار في المناطق الآمنة. وهي مهام ضخمة تتطلب قيادة متفرغة للعمل الوطني على مدار الساعة.

إن النقد المسؤول أمر مطلوب في أي مجتمع ديمقراطي، لكنه يجب أن يكون نقداً عادلاً يراعي الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ويعترف بالجهود المبذولة من أجل تجاوز هذه المرحلة الصعبة.

السودان اليوم يحتاج إلى تماسك أبنائه ووحدة صفهم أكثر من أي وقت مضى. فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الوطن الواحد، بل هي معركة بناء الدولة واستعادة الاستقرار والكرامة لشعب عانى كثيراً.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يكون الأجدر بنا أن ندعم كل جهد صادق يسعى إلى إنقاذ الوطن، وأن ننظر إلى الأمور بعين الحكمة والإنصاف، لا بعين الانفعال والتسرع في الأحكام.

فالتاريخ لا يكتب بالانطباعات العابرة، وإنما بالعمل الجاد والإنجازات التي تبقى شاهداً على صدق النوايا وقوة الإرادة.

والأمل أن يتكاتف الجميع – قيادةً وشعباً – لعبور هذه المرحلة الصعبة نحو سودان أكثر استقراراً وعدلاً وازدهاراً.