![]()
أعرف صديقتي الإيرانية ياسنا منذ أحد عشر عاماً. وعلى مدى هذه السنوات ناقشنا شتى المواضيع. لكن رسالتها الأخيرة هزّتني:
«هل يمكنك أن تتخيلي ماذا يعني أن يشعر المرء بشيء من الارتياح، بل وحتى النشوة، وهو يشاهد بلاده تُقصف، لأن هذه القنابل نفسها التي تدمر أرضك وتقتل أبناء شعبك قد تحررك أخيراً من الاستبداد؟»
عندما قرأت تلك الكلمات، لم يسعن إلا أن أفكر:
«نعم، أستطيع أن أتخيل ذلك يا ياسنا. لقد عشت هذا الشعور، وعشنا نحن في لبنان هذا الشعور مراراً وتكراراً. لكنني، للأسف، لست واثقة أن تكون هذه هي النتيجة بالضرورة».
الحروب في هذه المنطقة لا تبقى محصورة داخل البلدان التي تنفجر فيها. إنها تنتقل. تتسلل عبر الحدود، وشاشات التلفزة، وذكريات العائلات، والولاءات الأيديولوجية، وقبل كل شيء عبر الانتماءات الدينية. في لبنان، الحرب على إيران ليست حدثاً جيوسياسياً بعيداً، رغم أنها امتدت بالفعل إلى هذه الأرض. إنها مرآة أخرى ينظر فيها البلد إلى نفسه — ويتجادل مع ذاته.
بالنسبة لبعض اللبنانيين، يُنظر إلى الولاء لإيران على أنه خيار استراتيجي، بل وحتى مشرّف — جزء من محور مقاومة أوسع ضد إسرائيل والولايات المتحدة، أي الهيمنة «الإمبريالية والاستعمارية» سيئة الصيت. بالنسبة إليهم تمثل إيران واحدة من القوى الإقليمية القليلة المستعدة لمواجهة نظام عالمي يشعر كثيرون في الشرق الأوسط بأنه مهين واستغلالي ومنافق. ولذلك يُنظر إلى الهجوم على إيران ليس كمجرد تصعيد عسكري، بل فصلاً جديداً في تاريخ طويل من الهيمنة المفروضة على المنطقة من خارجها.
أما بالنسبة لآخرين، فإن هذا الولاء نفسه هو تعريف للخيانة السياسية. إنه دليل على أن فصيلاً لبنانياً قد أخضع البلد لقوة أجنبية وحوّل السيادة الوطنية إلى نكتة سمجة. وفي نظرهم، فإن الولاء لطهران يعني جرّ لبنان إلى حروب لم تكن يوماً حروبنا أصلاً.
بين هذين التصورين هوة نعرفها جيداً. حتى الوطنية هنا جرى تطييفها. فالخيانة على ذلك وجهة نظر. ما يُعد ولاءً لدى جماعة ما يُعد خيانة لدى أخرى. وما يُعد مقاومة لدى شخص ما قد يُعد خضوعاً لوصاية خارجية لدى شخص آخر. الإيماءة نفسها، والتحالف نفسه، والشعار نفسه، يمكن أن يُقرأ بطولة لدى البعض وانتحاراً وطنياً لدى آخرين.
لكن الأمور أقل بساطة مما توحي به الشعارات. فكثير من اللبنانيين الذين يرون النظام الإيراني استبدادياً وإجرامياً ومعادياً بعمق للحرية، بعيدون مع ذلك عن الشعور بالابتهاج أمام احتمال انهياره أو إسقاطه بالقوة. نعم، يشعر بعضهم بشيء من الارتياح عند التفكير في أن الشعب الإيراني قد يتخلص أخيراً من نظام سياسي خانق. لكن الارتياح ليس إيماناً. فقد جعلت التجربة هذه المنطقة شديدة الارتياب من الحرية التي تهبط من السماء. لقد شهدنا حروباً كثيرة سُوّقت على أنها تحرير.
كان يُفترض أن تولد أفغانستان من جديد بعد إسقاط طالبان. وكان يُفترض أن يخرج العراق أكثر حرية بعد صدام حسين. وينطبق الأمر نفسه على ليبيا بعد القذافي. المنطقة مليئة بحطام هذه الأمثلة: طغيان ديني أو عسكري جرى تفكيكه لتحل محله الفوضى، أو الاحتلال، أو التفكك، أو شكل آخر من الخراب. في منطقتنا هذه، غالباً ما تنتهي كلمة «التحرير» بالأنقاض.
ولهذا، حتى بين الذين يكرهون النظام الإيراني ويعارضونه بشدة، يبقى هناك قدر من الشك الرصين بشأن نوع المستقبل الذي قد يخلفه. لقد علّمنا التاريخ أن نشك في الديمقراطية عندما تُفرض علينا من الخارج، وفي الخلاص عندما يصل مصحوباً بالصواريخ.
هذا الشك ليس أيديولوجياً — على الأقل ليس بالنسبة إلى الجميع. إنه ليس تحيزاً. إنه وليد التجربة. إنه الذاكرة المتراكمة لمنطقة وُعدت مراراً بالخلاص من قبل أطراف سرعان ما اختفت، تاركة وراءها دولاً مدمرة وشعوباً مرهقة.
لبنان يعرف هذا النمط جيداً. ولهذا يشاهد كثير من اللبنانيين اليوم، حتى أولئك الذين لا تطالهم الحرب مباشرة، ما يحدث بمزيج معقد من المشاعر: غضب، وأمل، ومرارة، وخوف. غضب من نظام إيراني قمعي ترك تأثيراً عميقاً في الحياة السياسية اللبنانية خلال السنوات الأخيرة. وربما أمل في مستقبل يتمكن فيه الشعب الإيراني — وبالتالي الشعب اللبناني — من امتلاك مصيره بيده. لكن هناك أيضاً خوف من أن يؤدي زلزال جيوسياسي جديد إلى إرسال هزات إضافية عبر منطقة هشة أصلاً. نادراً ما ينجو لبنان من عواقب صراعات الآخرين.
والحقيقة أن صبرنا قد نفد. فليس الأمر أننا تعبنا فقط من دفع ثمن ولاء حزب الله لإيران، ومن نزعاته السلطوية، ومن استهتاره بحياتنا، ومن اختطافه لإرادتنا الوطنية. لقد تحملنا أيضاً كلفة حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل، من حروبهما واستراتيجياتهما التي تُخاض فوق رؤوسنا، ومن التعامل مع لبنان باعتباره أرضاً قابلة للاستهلاك في صراعات يُختزل فيها البشر إلى أرقام في حسابات «الأضرار الجانبية».
لقد أنتجت التجربة اللبنانية غريزة سياسية خاصة: الشك في كل الاتجاهات (على الأقل لدى أولئك الذين لم تُغسل أدمغتهم للسير مع القطيع). الشك في القوى الإقليمية التي تزعم حمايتنا بينما تحولنا إلى خطوط أمامية في معاركها. الشك في القوى الدولية التي تتحدث بلغة الديمقراطية بينما تترك وراءها الدمار. والشك، على وجه الخصوص، في السردية المغرية التي تقول إن التاريخ يتجه نحو العدالة.
ربما يكون هذا هو المنظور اللبناني الحقيقي لما يحدث في إيران — بالنسبة إلى أولئك الذين يمكن وصفهم حقاً بالمفكرين المستقلين: لا احتفال تلقائياً، ولا إدانة بسيطة، بل وعي حذر، وربما يكتنفه ارتياب.
لقد تعلم لبنان، بمرارة وكلفة باهظة، أن سقوط نظام استبدادي في هذه المنطقة لا يعني بالضرورة صعود الحرية. أحياناً يعني ببساطة بداية حرب أخرى، من نوع آخر.
وقد تعلمت أنا ذلك جيداً مع مرور الوقت.
وسوف تتعلمه صديقتي ياسنا أيضاً، عاجلاً أم آجلاً.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).