![]()
مرة أخرى تجد دول الخليج نفسها على تماس مباشر مع حرب إقليمية، رغم أنها ليست طرفا فيها. فمع تحول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى صدام عسكري، امتدت تداعياته سريعا إلى المجال الخليجي، الذي ظل لعقود يمثل مركزا رئيسيا للاستقرار الاقتصادي والتجاري في المنطقة.
في صباح السبت 28 فبراير 2026 دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، عندما بدأت العمليات العسكرية بين الطرفين. ولم تمض ساعات حتى بدأت إيران تنفيذ هجمات صاروخية وأخرى بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية أميركية في عدد من دول الخليج، بينها قطر والبحرين والإمارات والكويت والسعودية، وذلك ردا على الضربات الأميركية والإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية.
يقول الدبلوماسي الكويتي السابق، سليمان إبراهيم المرجان، إن “شعوب المنطقة سئمت الحروب والأزمات؛ فمنذ الحرب العراقية الإيرانية في أوائل الثمانينات لم تنعم منطقتنا باستقرار حقيقي”.
ولم تقتصر تداعيات الهجمات الإيرانية لم تقتصر على المنشآت العسكرية في دول الخليج، إذ طالت أيضا مرافق ومنشآت مدنية في محيط بعض المواقع المستهدفة، ما أدخل مناطق حضرية واقتصادية في دائرة الخطر وأثار مخاوف متزايدة بشأن سلامة البنية التحتية المدنية في دول الخليج.
وفي هذا الاتجاه يؤكد السفير المرجان أن دول الخليج وجدت نفسها منذ اللحظة الأولى للحرب في موقع دفاعي بحت، إذ لم تكن طرفا في العمليات العسكرية الهجومية، بل انحصر دورها في حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية في ظل وجود قواعد أميركية على أراضيها. ويشير إلى أن الهجمات الإيرانية، رغم تقديمها باعتبارها موجهة إلى أهداف عسكرية أميريكية، انعكست عمليا على الأمن والمصالح الخليجية، خاصة مع امتداد بعض الضربات إلى محيط منشآت مدنية.”
ومع دخول الحرب يومها الثامن، لا تزال الهجمات الإيرانية مستمرة على دول الخليج، ويعكس هذا المسار تصاعد نمط من الاستنزاف العسكري المتبادل الذي يضع المجال الأمني الخليجي تحت ضغط مستمر، ويؤكد في الوقت ذاته حساسية موقع الخليج في معادلات الصراع الإقليمي والدولي.
الحرب الدائرة وتداعياتها على اقتصاد الخليج
يقول الدبلوماسي والسياسي القطري ناصر بن حمد آل خليفة لـ”الحرة” إن استهداف منشآت إنتاج الطاقة والتكرير، إلى جانب ارتفاع كلفة التأمين على السفن، يرفع الكلفة الاقتصادية للحرب ويؤثر في الاقتصادين الخليجي والعالمي، محذراً من أن المخاطر المتزايدة على الملاحة في مضيق هرمز قد يكون لها تأثير مباشر إذا استمر التصعيد لفترة طويلة.
ويتفق وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف مع هذا التقدير، مشيرا إلى أن اقتصادات الخليج تقوم أساسا على قطاعي الطاقة والخدمات. فالتوترات الأمنية في محيط مضيق هرمز قد تدفع بعض الدول إلى تقليص إنتاجها النفطي أو إعادة تقييمه، كما تفرض تحديات على صادرات الغاز، بما في ذلك صادرات قطر.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر مكاسب مؤقتة لبعض المنتجين، فإن المستفيد الأكبر قد يكون شركات ودولا خارج المنطقة مثل شركات الطاقة الأميركية أو روسيا. في المقابل يعتمد اقتصاد الخدمات في الخليج، من سياحة واستثمار وأسواق مالية، على بيئة الاستقرار الإقليمي، وهي البيئة التي جذبت خلال السنوات الماضية رؤوس أموال هاربة من مناطق النزاعات في لبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا، ما يجعل اتساع رقعة الحرب تهديدا مباشرا لهذه القطاعات، وفقا للإعلامي الكويتي.
وقد بدأت التداعيات الاقتصادية للحرب تظهر مع اضطراب حركة النقل الجوي والبحري في الشرق الأوسط. فقد تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إلى مستويات تقترب من التوقف بعد هجمات بطائرات مسيّرة نفذتها إيران ردا على العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. وفي خضم هذا التصعيد، حذر وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، في مقابلة مع صحيفة “فاينانشال تايمز”، من أن استمرار الصراع قد يدفع دول الخليج المنتجة للطاقة إلى تعليق صادراتها خلال أسابيع، وهو ما قد يرفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل.
وفي إطار الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول المنطقة، أعلنت قطر تعليق إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً بالتزامن مع استمرار الهجمات الإيرانية على مواقع في الخليج. كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية إدخال تعديلات وقائية على مستويات إنتاج النفط الخام وعمليات التكرير استجابة للتطورات الأمنية المتسارعة. وأوضحت المؤسسة أن هذه الخطوة تأتي في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم.
ويرى السفير الكويتي، سليمان إبراهيم المرجان، أن تداعيات الحرب تتجاوز حدود المنطقة، نظرا للمكانة المحورية التي يحتلها الخليج في منظومة الطاقة العالمية. ويشير إلى أن استمرار التوترات وإغلاق مضيق هرمز بصورة شبه كاملة قد يعرض نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية لمخاطر مباشرة، ما يضاعف كلفة الأزمة على الاقتصاد الدولي، وليس فقط على دول مجلس التعاون الخليجي.
ويحذر المرجان من أن إطالة أمد الحرب قد تضغط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ما يجعل آثارها الاقتصادية أوسع بكثير من نطاقها الجغرافي، معربا في الوقت نفسه عن أمله في ألا يستمر هذا الصراع لما يحمله من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي.
انعكاسات الحرب على التوازنات السياسية واستقرار الأقليم
يرى الدبلوماسي ناصر بن حمد آل خليفة أن تأثير الحرب الجارية في التوازنات السياسية سيظل مرهونا بنتائجها ومدتها، محذرا من أن تداعياتها قد تتجاوز الشرق الأوسط إلى محيطه الآسيوي الأوسع.
ويشير إلى أن أحد أخطر السيناريوهات يتمثل في تحقيق أحد أطراف الصراع نصرا حاسما، ما قد يدفع الطرف المنتصر إلى توظيف تفوقه العسكري والسياسي لإعادة تشكيل موازين القوى وفرض معادلات جديدة في المنطقة. وفي المقابل يستبعد احتمال إعلان أحد الأطراف استسلامه، خصوصا في ظل الحضور الأميركي المباشر في الصراع، لكنه يلفت إلى أن أي تحول جوهري في مسار الحرب قد ينعكس على توازن القوى إقليميا وربما عالميا، نظرا لتشابك المصالح الدولية في هذه المواجهة.
ويلفت وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف إلى أن استقرار دول الخليج لا يقتصر تأثيره على شعوبها فحسب، بل يشكل ركيزة لمنظومة اقتصادية وتنموية تمتد إلى العالم العربي والإسلامي. فهذه الدول تمثل مركز جذب رئيسيا للعمالة والاستثمارات، كما تلعب دورا مهما في تمويل مشاريع التنمية والمساهمة في إعادة إعمار دول أنهكتها النزاعات مثل لبنان وغزة واليمن وسوريا والسودان، ما يجعل أي اضطراب في استقرار الخليج ينعكس مباشرة على شبكة واسعة من الاقتصادات والمجتمعات المرتبطة به.
ويضيف سامي النصف أن الحرب قد تدفع إلى إعادة تعريف ملفات استراتيجية كانت تدار سابقا ضمن إطار الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وشبكة الأذرع الإقليمية، فهذه الملفات أصبحت اليوم مسألة أمن مباشر لدول الخليج بعد أن باتت المنطقة ضمن نطاق التهديدات المرتبطة بها، كما أن امتلاك إيران قدرات نووية أو تطوير منظومات صاروخية بعيدة المدى يثير قلقا استراتيجيا لدى دول الخليج بحكم قربها الجغرافي واحتمال أن تكون الأكثر تأثرا بأي تصعيد مستقبلي.
ويشير أيضا إلى أن التصريحات الإيرانية التي لوحت باستهداف دول الخليج ردا على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي تعزز هذه المخاوف، إذ تجعل دول المنطقة في موقع المواجهة غير المباشرة ضمن صراع أوسع. وفي ضوء هذه المعطيات يرى أن المرحلة المقبلة قد تدفع دول الخليج إلى لعب دور أكثر حضورا في إدارة هذه الملفات الاستراتيجية، بالتوازي مع البحث عن بدائل اقتصادية وأمنية من بينها تنويع مسارات تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز تحسبا لأي اضطرابات قد تطال أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم.