![]()
من سنار إلى شندي.. كيف أصبح الأسطول البحري السوداني قوة إقليمية؟
النورس نيوز _ شكّلت الخطوط البحرية السودانية، المعروفة باسم “سودانلاين”، لسنوات طويلة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وأبرز رموز السيادة البحرية في المنطقة، بعدما تحولت إلى ناقل وطني يربط السودان بالموانئ الأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية، وأسهم في نقل الركاب والبضائع بكفاءة عالية، قبل أن ينتهي هذا الإرث البحري إلى التصفية والبيع وسط تساؤلات لا تزال مطروحة حتى اليوم.
وبحسب وثائق تاريخية، بدأت شركة الخطوط البحرية السودانية توسعها الفعلي مطلع ستينيات القرن الماضي، حيث اقتنت باخرتي “سنار” و“أركويت” عام 1963 خلال عهد الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، في خطوة وُصفت آنذاك بأنها نقطة تحول استراتيجية في مسار النقل البحري السوداني.
وخلال الفترة ما بين 1964 و1980، واصلت الشركة سياسة التوسع، فأضافت عدداً من البواخر بأسماء مدن سودانية، منها “الجزيرة” عام 1964، و“كردفان” عام 1966، ثم في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري تم تعزيز الأسطول ببواخر “مريدي” و“شندي” عام 1970، تلتها “نيالا” عام 1974، و“أمدرمان” عام 1979.
وفي مرحلة لاحقة، انضم للأسطول ست بواخر دفعة واحدة هي: “دنقلا”، “الأبيض”، “دارفور”، “القضارف”، “الخرطوم”، و“مروي”، قبل أن تُضاف باخرتان جديدتان في عام 1980 هما “النيل الأبيض” و“النيل الأزرق”، قُدمتا كهدية من ملك الدنمارك إلى الشعب السوداني. وبذلك بلغ عدد البواخر 15 باخرة للركاب والبضائع، ليُعد الأسطول من الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط في ذلك الوقت.
وسجلت بعض السفن السودانية محطات بارزة في تاريخ الملاحة، إذ عُرفت الباخرة “شندي” بأنها أول باخرة عربية تعبر قناة السويس عقب إعادة فتحها بعد حرب عام 1967، وهو إنجاز حمل بعداً رمزياً وسياسياً واقتصادياً.
وخلال عصرها الذهبي، وفرت الشركة آلاف فرص العمل، حيث بلغ عدد العاملين بها نحو 17 ألف موظف، وفق تقديرات متداولة، رغم وجود فائض عمالة كبير آنذاك. كما لعبت دوراً إنسانياً بارزاً أثناء حرب الخليج، عندما أسهمت في إعادة آلاف السودانيين العالقين في الكويت والعراق واليمن، في واحدة من أبرز عمليات الإجلاء البحري في تاريخها.
اقتصادياً، تشير تقديرات إلى أن رحلة الباخرة الواحدة كانت تدر عائدات تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، وهو ما جعل الأسطول البحري يشكل مورداً استراتيجياً داعماً للاقتصاد الوطني، خاصة في قطاعي الصادرات والواردات.
غير أن مسار الشركة تغير تدريجياً مع تعاظم التحديات المالية والإدارية، وتراجع الصيانة والتحديث، وصولاً إلى قرارات بيع وتصفية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية. ويرى مراقبون أن غياب الحوكمة الرشيدة والتخطيط بعيد المدى، إضافة إلى تأثير السياسات الاقتصادية المتقلبة، لعبت دوراً محورياً في تآكل هذا الصرح البحري.
اليوم، وبينما تستمر النقاشات حول سبل إعادة بناء الناقل الوطني البحري، يطرح خبراء تساؤلات حول إمكانية استعادة السودان لموقعه في خارطة النقل البحري الإقليمي، خاصة مع امتلاكه موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر وإمكانات لوجستية كبيرة إذا ما أُحسن استثمارها.