![]()
القاهرة تحتل جدول أعمال إدريس.. هل كل هذا مجرد ستار لترشيحات شخصية؟
بقلم: عزمي عبد الرازق
بعد أن تكللت مساعيه – كما يبدو – بـ“نجاح” منقطع النظير في المهمة الوحيدة التي أجادها بإتقان، وهي تعطيل لجنة تهيئة الخرطوم للعودة بقيادة الفريق إبراهيم جابر، شدّ إدريس الرحال من جديد، مولياً وجهه شطر القاهرة، في زيارة غامضة الملامح، باهتة الأجندة، ومرتبكة الرسائل.
زيارة بدأت منذ يومين بلا إعلان واضح، ولا برنامج معلن، ولا حتى تبرير مقنع للرأي العام. ارتجالية المشهد لا تخطئها العين، وكأن الدولة تُدار بمنطق الرحلة السياحية لا بمنهج الدولة التي خرجت لتوها من أتون حرب، وتبحث عن لملمة أطرافها، وإعادة الروح إلى عاصمتها المنهكة.
أي منطق هذا الذي يسمح بقبر محاولات إحياء الخرطوم، المدينة التي تتطلع إليها الأفئدة قبل الاستثمارات، وتهفو لعودتها القلوب قبل الأموال، ثم القفز إلى مشروع “عاصمة إدارية” حالم، بلا موارد حقيقية ولا إرادة صلبة؟ كيف تُغادر الواقع المثقل بالجسور المعطلة، والبعوض المتكاثر، وقطوعات الكهرباء، وكثرة الجبايات، إلى فضاء التصورات البعيدة التي لا تجد سنداً إلا في الخيال؟
هنا ينهض السؤال الكبير: ما هي أجندة هذه الزيارة؟ ولماذا يصر إدريس – كعادته – على تغييب وزراء الخارجية والثقافة والإعلام، ويفضل إحاطة نفسه بدائرة استشارية ضيقة مغلقة؟ أليست مثل هذه الزيارات ذات طابع سيادي يتطلب حضور المؤسسات لا غيابها؟ أم أن الأمر لم يعد يتعلق بالدولة بقدر ما يتعلق بشلة تدار خارج الضوء؟
ظاهرة “الإقامة الطويلة” في زيارات إدريس الخارجية باتت حديث المجالس. ففي الوقت الذي يُنجز فيه رؤساء دول ملفاتهم خلال ساعات، يبدو أن لإدريس فلسفة مختلفة في إدارة الوقت. أسبوع في السعودية، أيام طوال في سويسرا وألمانيا، وها هو المشهد يتكرر في القاهرة. حصيلة دبلوماسية متواضعة، مقابل صورة دولة تتآكل هيبتها تدريجياً تحت وطأة العبث.
الأخطر من ذلك ليس طول الإقامة، بل ما ترمز إليه من هروب ناعم من استحقاقات الداخل. الخرطوم تحتاج إلى عودة الخدمات قبل الزيارات، وإلى قرار سياسي يعيد الناس إلى بيوتهم قبل الحديث عن مكاتب جديدة ومشروعات مستقبلية. الدولة لا تُبنى عبر صالات كبار الزوار، بل عبر إعادة تشغيل الجسر، وتثبيت التيار، وكبح الجبايات.
ثم يبرز التساؤل الأكثر حساسية: هل كل هذا الصخب في القاهرة مجرد ستار لتمرير ملف شخصي؟ هل الغاية حشد دعم لترشيح أحد المستشارين لمنصب في جامعة الدول العربية؟ وإذا صحّ ذلك، فلماذا لم يمر عبر بوابة وزارة الخارجية؟ ولماذا تتحول توجهات الدولة إلى منصة ترويج لأشخاص بعينهم؟
إن تحويل الدولة إلى مكتب توظيف للأصدقاء يمثل انزلاقاً خطيراً في مفهوم الحكم. المناصب الإقليمية ليست هدايا شخصية، ولا مكافآت للموالين، بل استحقاقات تُبنى على الجدارة والخبرة والمسار الدبلوماسي المتراكم. وما دون ذلك ليس سوى عبث بصورة البلاد.
ليست المشكلة في السفر، ولا في الانفتاح على الخارج، بل في اختلال الأولويات. الخارج لا يحترم دولة لا تحترم ترتيب بيتها الداخلي. والعاصمة التي لم تُشفَ بعد، لا تحتاج إلى خطابات حالمة بقدر حاجتها إلى قرارات شجاعة تُعيد الحياة لأسواقها وشوارعها ومدارسها.
السؤال الذي سيظل يلاحق إدريس: من يعيد الخرطوم أولاً؟ ومن يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية؟ لأن التاريخ لا يسجل عدد الأميال التي قُطعت بالطائرات، بل يسجل ما أُنجز على الأرض.
والأرض، حتى الآن، تنتظر.
