![]()
بدأ شهر رمضان، الشهر المقدس لدى المسلمين، في الأسبوع الثالث من فبراير، حاملاً معه لأكثر من ملياري مسلم حول العالم مزيدًا من الروحانية، إضافة إلى فريضة دينية تتمثل في الصيام من الفجر حتى غروب الشمس. وليس هذا الصيام بالأمر السهل، إذ لا يُسمح فيه لا بلقمة طعام ولا بقطرة ماء، ما يجعل المؤمنين يترقبون بلهفة لحظة الإفطار – وجبة الإفطار التي غالبًا ما تجمع العائلات والمجتمعات. يجلس الجميع إلى المائدة منتظرين أذان المغرب ليرتشفوا كأسا من الماء، شاكرين خالقهم على نعمه التي كثيرًا ما نأخذها كأمر مُسلَّم به.
الصيام في رمضان ليس سهلًا جسديًا، لكنه جميل روحيًا. وينطبق الأمر ذاته على البعد الجماعي للشهر الفضيل، الذي حظي بالتقدير في البلدان الإسلامية على مدى قرون، من خلال الزينة الخاصة، والتجمعات، ووجوه الترفيه (خصوصًا للأطفال)، وأعمال الخير المتعددة. وكما يقول المثل، فإن الجوع في رمضان يساعد الإنسان على فهم معاناة من يعانون الجوع الدائم.
غير أنه يصعب العثور على أي جانب مُلهِم في قرارات بعض الحكومات “الإسلامية” التي اختارت فرض هذه الفريضة الدينية بالقوة. إذ سنت ما يُعرف بـ«قوانين رمضان»، التي تجعل الأكل أو الشرب علنًا خلال ساعات الصيام فعلًا غير قانوني. ولذلك، تتكرر في كل رمضان أخبار من مناطق مختلفة في العالم الإسلامي عن اعتقال أشخاص لعدم التزامهم بالصيام.
وجاءت أولى هذه الأخبار هذا العام في اليوم الأول من الشهر الفضيل من ولاية كانو في شمال نيجيريا، حيث احتجزت الشرطة الدينية، المعروفة باسم «الحِسبة»، تسعة أشخاص – سبعة رجال وامرأتين – شوهدوا وهم يتناولون الطعام خلال ساعات الصيام. وقال قائد الحِسبة، مجاهد أمين الدين، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي):
«لقد اعتقلناهم وهم الآن لدينا، وسنعمل على تعليمهم أهمية الصيام، وكيفية الصلاة، وقراءة القرآن، وأن يصبحوا مسلمين أفضل».
وبوصفي مسلمًا يؤمن بحرمة الصيام والصلاة والقرآن، يمكنني أن أتعاطف مع الوعاظ الذين يقدمون النصيحة الدينية بلطف، أو ما يُعرف بـ«النصيحة»، حول هذه القيم. لكن هل ينبغي أن يكون هذا دور أجهزة الشرطة، التي لا تكتفي بالوعظ، بل تفرض الدين بالقوة؟
هذا السؤال لا يقتصر على ولايات شمال نيجيريا، التي تطبق الشريعة منذ أوائل الألفية الجديدة، بل يشمل دولًا ومناطق عديدة أخرى لديها قوانين لرمضان. من بينها السعودية والمغرب والكويت والإمارات وقطر وعُمان والأردن والعراق وباكستان وبروناي وماليزيا، إضافة إلى إقليم آتشيه في إندونيسيا، حيث تُفرض غرامات أو عقوبات سجن قصيرة على مخالفات رمضان. وتوجد عقوبات أشد في إيران، إذ قد يؤدي الإفطار العلني إلى السجن لمدة تصل إلى شهرين أو إلى الجلد بما يصل إلى 74 جلدة.
وكما هو متوقع، فإن أفغانستان في ظل حكم طالبان تطبق بدورها رقابة صارمة على الالتزام برمضان. فالقانون الجنائي الجديد للحركة – الذي يبدو أنه يبرر العبودية، ضمن أحكام مثيرة للجدل أخرى – يتضمن مادة خاصة تفرض 20 جلدة وسجن شهرين على المسلم الذي «يتناول الطعام عمدًا خلال شهر رمضان».
ومع وجود هذه القوانين، يدعمها كثير من العلماء الإسلاميين المحافظين، اعتقادًا منهم بأنها تساعد في صون الدين والأخلاق العامة، وتحقق الواجب القرآني الملقى على عاتق المسلمين: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
غير أن ثمة رؤية إسلامية مضادة تقول إن المسلمين يؤدون جميع واجباتهم الدينية، بما في ذلك الصيام، إرضاءً لله – لا للدولة، ولا للشرطة، ولا للمجتمع. وبالتالي، لا ينبغي لأحد أن يراقب تقواهم أو يتدخل في عبادة يفترض أن تكون علاقة مباشرة بينهم وبين الله.
في كتاب جديد قمت بتحريره بعنوان «لا إكراه في الدين – بلا استثناءات: حجج إسلامية من أجل الحرية الدينية»، عملتُ مع فريق من العلماء المسلمين على بلورة هذه الرؤية البديلة، من خلال استكشاف جذورها في النصوص والتقاليد الإسلامية. وبينما يتناول الكتاب قضايا جدلية عديدة – من قوانين الردة والتجديف إلى التفسيرات اللينة لمفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» – فإنه يخصص أيضًا فصلًا لقوانين رمضان، بقلم محمد لمعلم، بعنوان: «الصيام لله لا للمجتمع: الحجة الدينية ضد قوانين رمضان».
وفي هذا الفصل يسلط لمعلم الضوء على أحمد الريسوني، الفقيه المغربي البارز الذي شغل منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بين عامي 2018 و2022. وبينما يؤيد معظم زملائه من العلماء قوانين رمضان – التي أصبحت مثار جدل في المغرب أيضًا – يتبنى الريسوني موقفًا إصلاحيًا لافتًا، مفاده أن الالتزام الديني يجب أن ينبع من قناعة داخلية لا من إكراه خارجي. ولذلك، فإن قوانين رمضان، في نظره، بلا جدوى وينبغي إلغاؤها.
وقد طرح الريسوني هذا الرأي في مناسبات عدة، من بينها مقابلة عام 2016، سُئل فيها عما إذا كان من يفطرون علنًا يشكلون «مشكلة». فأجاب بأنه لا يحق لأحد أن يشكك في قرارهم بعدم الصيام. وقال: «الأمر بينهم وبين الله… ولهذا لا أؤيد قانون [رمضان] في هذه المسألة».
وأشار الريسوني أيضًا إلى أن الفقه الإسلامي نفسه يقر إعفاءات من الصيام لأسباب دينية مشروعة، مثل المرض والحمل والسفر. وبالتالي، فإن حظر الأكل علنًا يعني فرض الصيام على مسلمين غير ملزمين به أصلًا من الناحية الدينية. (أما غير المسلمين، فلا يُتوقع منهم الصيام على أي حال).
وهناك نقطة أخرى ينبغي إضافتها إلى هذا النقد لقوانين رمضان: إنها ببساطة غير ضرورية. فأكثر من مليار مسلم حول العالم يعيشون في دول لا تطبق مثل هذه القوانين – سواء في دول أكثر علمانية مثل إندونيسيا وأوزبكستان وتركيا، أو كأقليات في أنحاء العالم، بما في ذلك الغرب – ومع ذلك يصوم معظمهم. وهم يفعلون ذلك لا خوفًا من الاعتقال على يد «شرطة دينية»، بل لأنهم يؤمنون بالله إيمانًا حقيقيًا ويعبدونه طوعًا، وهو السبب الوحيد الصحيح لأي عبادة.
بل إن قوانين رمضان تبدو في الواقع وكأنها تقوض التدين الصادق. يكفي أن نقارن بين إيران وتركيا. فالأولى «جمهورية إسلامية» لديها شرطة دينية صارمة وقوانين قاسية لرمضان. أما تركيا، ورغم ما وُصف أحيانًا خلال العقدين الماضيين بـظاهرة «الأسلمة المستترة»، فهي دولة علمانية يُعد فيها الصيام خيارًا شخصيًا، وتواصل المطاعم تقديم الطعام بحرية خلال رمضان. ومع ذلك، تُظهر استطلاعات الرأي أن نسبة الصائمين في تركيا أعلى منها في إيران: فبينما أفاد استطلاع أجرته مؤسسة «كوندا» عام 2016 بأن 65% من الأتراك يصومون رمضان، حتى مع بعض التراجع لاحقًا، أظهر استطلاع أجرته «غامان» عام 2020 أن 40% فقط من الإيرانيين يلتزمون بالصيام فعليًا.
وبعبارة أخرى، فإن فرض رمضان بالقوة لا يجعل المسلمين يلتزمون به حقًا. فالذين يصومون الشهر الفضيل يفعلون ذلك بدافع إيمانهم الصادق وارتباطهم العميق بتقاليدهم. وهم لا يحتاجون إلى رجال يحملون العصي والبنادق – أي قوات الحِسبة – لملاحقتهم في الشوارع.
لهذا السبب، لا يحتاج المسلمون إلى قوانين لرمضان. فمعظمهم يمتلك بالفعل روح الشهر الفضيل، وكل ما يحتاجونه هو الحرية للاحتفاء بها.
هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية.