![]()
مجدي عبد العزيز يكتب.. رسالة رمضان إلى المهندس عمر الدقير: مرجواً في بلدك
قد ينتاش عنوان هذا المقال، أو يُغضب بعض الوطنيين الداعمين لانتصار الدولة السودانية والساندين للقوات المسلحة، إذ قد يرون في مخاطبة المهندس عمر يوسف الدقير نوعاً من مجافاة الاصطفاف الواضح في مواجهة مشروع العدوان الذي ترعاه دولة الإمارات عسكرياً وسياسياً عبر الميليشيا المتمردة والجماعات السياسية المتماهية.. وقد يسخر منه ناشطو ذات المشروع، باعتباره محاولة لشق صفهم، أو رسالة مُضمّنة من جهة رسمية، أو اجتهاداً فردياً “خارج السياق”،، لا يعنيني هذا ولا ذاك.
أكتب بملء قناعتي الشخصية، وبوصفي صحفياً شق دروب العمل العام والسياسي سابقاً، وخبر وتعلم واتعظ، يرى أن مهمته لا تنحصر في توصيف النار، بل في البحث عن مخارج منها..
وأكتب ذلك لأن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قد فتح- وبشروط واضحة تحفظ الدولة وأمنها ووحدتها- باباً للمصالحة الوطنية، والأبواب لا تُفتح للزينة، بل لمن يريد أن يمرّ منها.
يمكنني أن أختلف مع المهندس عمر يوسف الدقير جزئياً أو كلياً،، لكنني لا أستطيع أن أنكر أن أسس الاحترام تجاهه متوفرة..
أعرف الرجل في سياق اجتماعي ممتد، من خلال معرفة لعقود بأركان وأطراف أسرة الراحل الحاج يوسف الدقير- وأسر عريقة أخرى متداخلة ومتصاهرة معها- تلك الأسرة التي كان لها حضور وطني وسياسي في المشهد السوداني وتجاري واجتماعي مؤثر في كردفان والوسط، وامتد أثرها إلى مجالات اقتصادية وخدمية كبيرة وعديدة، من بينها النجاحات في قطاع النقل الجوي راهناً،، وفي بيئتنا السودانية يطغى الاجتماعي على السياسي كما هو معايش قيمة وواقعاً.
وبالتأكيد أن فضيلة الاحترام لا تقوم على اتفاق سياسي، بل على معرفة بسياقه وأسرته وبيئته ومجتمعه، وبحقيّة أي مواطن- بمن فيهم هو- في اعتناق ما يراه من فكر، وخوض معاركه السياسية، وتحديداً التاريخية كالتي مع التيار الإسلامي، منذ أيام دراسته بجامعة الخرطوم، والتي انتصر في إحداها حين انتزع منبر اتحاد الطلاب في أواخر عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، الذي عرف باتحاد الانتفاضة الذي أهله إلى ريادة (التجمع النقابي) حاضنة حكومة الفترة الانتقالية برئاسة د. الجزولي دفع الله.
نعم، يُحسب الدقير اليوم على تيار سياسي يرى كثيرون أنه اختُطف لصالح مشروع إقليمي تقوده سلطة ابوظبي، مستفيداً من حالة الاختراق الاستخباري والسيولة والانقسام بعد الوثيقة الدستورية وتشرذم قوى الحرية والتغيير ثم ما سمي الاتفاق الإطاري الذي أقرّ حميدتي قائد التمرد نفسه في بيان مبذول بأن الحرب اندلعت بسببه، وهذه حقائق يستعصي إنكارها الآن بعد أن كشفت الحجب عن الكثير والمثير والخطر.
لكن قد يقول قائل: إن كان الرجل جزءاً من “صمود” أو من تحالف سياسي بعينه، فموقفه يلزمه أن يتماهى مع الموقف الجماعي، وأن لا يُنتظر منه تمايز،، وهنا أقول: الواقع السياسي السوداني في هذه المرحلة لم يعد تحكمه الصيغة الهيكلية الصارمة للتحالفات. داخل “صمود” نفسها مواقف متباينة، بل ومتعارضة أحياناً. وفي التيارات الوطنية والإسلامية أيضاً رأينا مواقف فردية تتجاوز أطرها التنظيمية، بل تكون أحياناً أكثر حدة من الموقف الرسمي.
السياسة اليوم تُدار أيضاً بالأوزان الشخصية، لا فقط بالعناوين التنظيمية،، ومن هنا فإن التعويل على شخصية بعينها ليس رهانا على حزب، بل على تقدير فردي ومساحة قرار خاصة.
في المقابل، لم يُعرف عن الرجل أنه معطون في ماء العمالة- مثل مدللي روزليندا مارسدن- ولا أنه باحث عن مكاسب ظرفية- مثل اللاهثين خلف دراهم ابوظبي- (فالرجل ود تجار وعينه ملانة)، ولا أنه من أولئك الذين التصقت بهم شبهات الفساد خلال تجربة لجنة إزالة التمكين، حين تحولت ممارساتها– بالتوثيق إلى مساحات تجاوز أُهدر فيها المال العام و(شفشفت) بها أموال مستثمرين ورجال أعمال- حتى من هم خارج شبهة الانتماء الإنقاذي- (على عينك يا شعب سوداني)، وأنا هنا أفرّق بين المسؤولية السياسية عن أخطاء المرحلة الانتقالية، وبين السقوط الأخلاقي، والدقير في تقديري لا ينتمي إلى الفئة الثانية.
والأهم من ذلك: لم يصدر عن عمر الدقير- وبحثت للتدقيق- ما يساوي بين الدولة والميليشيا، ولا ما ينكر وجود الجيش كمؤسسة وطنية، ولا ما يشرعن كياناً مسلحاً موازياً يسعى لفرض واقع سياسي بقوة السلاح، وهذه ليست نقطة صغيرة أو تكتيك مراوغة في ميزان اللحظة الراهنة.
أما ما يُتداول عن تواصل سابق بينه وبين الرئيس البرهان– سواء بوسيط أو مباشرة– فأنا أميل إلى تصديق أن مثل هذا التواصل قد حدث، ولا أرى في ذلك ما يعيب الرجلين، فالتواصل هو وسيلة حتى الأعداء المتقاتلين، وفي السياسة بين الخصوم المتباعدين، والذي يُحاسَب عليه الزعيم أو السياسي هو نتائج التواصل، لا مجرد وقوعه.
طيب.. رغم كل هذا التعقيد لماذا إذن أقول: عمر الدقير مرجواً في وطنه؟
لأنني أرى أن السودان بعد هذه الحرب لن يُدار بالإقصاء الشامل، ولا بقطع الجسور مع كل تيار أو شخص تقاربت أو بعدت مواقفه بنسب متفاوتة مع مشروع أبوظبي/ دقلو..
ولأنني أعتقد أن الرجل، بخلفيته الاجتماعية، وخبرته السياسية، ومسافته النسبية عن أشكال التطرّف داخل تلك المكونات التي يُحسب عليها، يمكن أن يكون إحدى بوابات العبور نحو صياغة تفاهمات وطنية جديدة، أساسها: تثبيت الدولة- إنهاء معاناة السودانيين بإنهاء حالة التمرد،، والاستجابة لنداء المصالحة الوطنية الذي أطلقه الرئيس البرهان- وإن كان (ماراثون شاق)،، فتح مسار سياسي مدني حقيقي مع القوي السياسية الأخرى لا يخضع لوصاية إقليمية، ولا يُدار من أبوظبي أو غيرها..
وأقول إن المهندس عمر الدقير مرجواً، لا لأنه منزّه عن الخطأ،، ولا لأنه خارج حسابات النقد، ولا لأنه بريء من مسؤولية تعقيدات المرحلة الانتقالية، بل لأنه في تقديري رغم مواقفه المعلومة لم يقطع الخيط الذي يربط معارضة بدولة، وهذا ما تلمسته من مقارباته ومداخلاته وإدلاءاته، التي تنتزع مني أيضاً الاعتراف بفطنته وتورياته ورسائله الذكية.
هذا المقال ليس تنازلاً عن معركة استعادة وانتصار الدولة، ولا مساومة على دماء الضحايا، ولا إعادة تدوير لفشل المرحلة الانتقالية،، هو محاولة صادقة وجريئة لهدم حائط الحواجز النفسية، وطرح سؤال جاد أمام النخب وصناع الرأي العام:
هل نغلق الباب تماماً… أم نوسع في دعوة الرئيس البرهان للمصالحة الوطنية وإن كان طريقها وعراً؟.
في رمضان (شهر المراجعات الكبرى) أكتبها بوعي كامل لما قد يترتب عليها: الوطن أكبر من التيارات، والدولة أكبر من الحكومات، والتاريخ سيذكر من اختار الاصطفاف مع بلده حين تكون اللحظة فاصلة..
وأكرر قولي وإن كان في وادي الصمت وبكل جراءة وتحمل عواقب: (عمر الدقير مرجواً في بلدك)،،
وإلى الملتقى..