صدمة ترامب.. هل تنقذ العراق من إيران؟

Loading

“سمعت أن دولة  العراق العظيمة قد تتخذ خيارا سيئا للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء … بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا أُنتخب، فلن تقدم الولايات المتحدة الأميركية مستقبلا أي مساعدة للعراق”.

تلك الكلمات كانت كافية لإنهاء حظوظ رئيس الوزراء العراقي الأسبق (2006-2014) نوري المالكي الذي حصل على ترشيح الكتلة البرلمانية الأكبر، الإطار التنسيقي، لتشكيل الحكومة المقبلة، بعد اكثر من شهرين ونصف من إجراء الانتخابات التشريعية في 11 نوفمبر الماضي.

قرار الإطارالتنسيقي جاء وسط شلل سياسي معتاد منع حسم الترشيح في ظل انتخابات لا تمنح الفائز الحاصل على أعلى المقاعد الحق الأوتوماتيكي بالفرصة الأولى لتشكيل الحكومة، وإنما تنقل هذا الحق إلى الكتلة البرلمانية الأكبر التي تتشكل بعد الانتخابات.

تسبب هذا بصراعات مفتوحة وصفقات مختلفة لحسم من يترشح لتشكيل الحكومة.

جاء ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي ثالثا في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 29 مقعدا، واستطاع  المالكي نيل حق الترشيح من “الإطار” عبر تنافس شديد، من وراء الكواليس، مع الفائز الحاصل على أعلى عدد من المقاعد البرلمانية، 46 مقعدا، وهو رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.

ورغم المشاعر السلبية العميقة التي يثيرها المالكي بسبب التركة السيئة لتجربته في الحكم، خصوصا رئاسته الثانية (2010-2014)، وشخصيته الخلافية ومعارضة اطراف كثيرة، شيعية وغيرها، لترشيحه، كان واضحا أن هذه كلها لن تستطيع اعتراض دربه  للفوز بالمنصب. ثم جاء رفض ترمب ليقلب الطاولة رأسا على عقب.

حتى مع القناعة العراقية الواسعة، بعد هذا الرفض، ألا أمل للمالكي بأن يصبح رئيسا للوزراء ، يُصر الرجل على المضي في ترشيحه لحد الآن، محفزا بخليط  متناقض من دعاوى وطنية بخصوص منع التدخل الأميركي في شأن سيادي عراقي من جهة، ومن جهة أخرى إمكانية استرضاء إدارة ترامب  عبر وعود بانتهاج سياسات تتسق مع استراتيجيتها في المنطقة كتفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران وإبعاد العراق عن نفوذ طهران وبناء علاقات إيجابية مع حليف أميركا الجديد في المنطقة، سوريا ما بعد الأسد.

من المعروف أن المالكي، في داخل الحكم وخارجه،  لعب  دورا أساسياً في تشكيل الفصائل المسلحة ودعمها وإدخال العراق في دائرة النفوذ الإيراني، فضلا عن دعاواه التحريضية بعد سقوط نظام الأسد بضرورة مواجهة سورية يقودها “أبو محمد الجولاني”  بوصفها تهديدا ارهابيا للعراق.

يكرر رفض ترامب العلني والصريح التعاون مع عراق يقوده المالكي، رفضا أميركيا سابقا للرجل، لكن ليس بصراحة وعلنية الرفض الثاني، عندما قررت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2014، إيقاف دعمها العسكري للعراق إذا أصبح  المالكي رئيسا للوزراء مرةً ثالثة.

كان التقدير الأميركي حينها أن سياسات المالكي الانقسامية، والضيقة الأفق، تسببت  في تدهور الأوضاع في البلد وصولاً إلى سقوط ثالث أكبر مدينة عراقية، الموصل، بيد تنظيم داعش الإرهابي قبل احتلاله ثلث البلد في غضون أسابيع. وقتها نجح الضغط الأميركي الخارجي، مدعوماً بضغط داخلي عراقي، في استبعاد المالكي، واستطاع العراق على مدى سنوات أربع تالية، في ظل رئاسة حيدر العبادي المدعوم أميركياً، في التقاط بعض أنفاسه، وتحرير أرضه من سيطرة تنظيم داعش في 2017، ليشيع حسٌ عام بالتفاؤل أن البلد تجاوز الأسوأ وأن الأفضل ينتظره في سنواته المقبلة بعد كثير من العناء والأخطاء والفرص المُضيعة.

لكن “السنوات المقبلة” أثبتت إن مشاق هذه التركة السيئة لم يصاحبها تعلم حقيقي، فأقصى ما أنجزه العراق هو تجاوزه مصاعب الإرهاب والصراع الطائفي واستعادته الوحدة الظاهرية للبلاد، لكنه وقع  أسير الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بنفوذها السياسي والاقتصادي والمؤسساتي المتصاعد بسبب تواطؤ التحالف السياسي الشيعي الحاكم معها، وهي الفصائل التي حصلت على الدعم المادي والشرعية المؤسساتية في ظل الولاية الثانية للمالكي.

تواصل ترسيخ هذه الشرعية وتوسيعها عبر التحالفات السياسية الشيعية الحاكمة، حتى أصبحت هذه الفصائل، بالضد من القانون والدستور العراقيين،  تدير رسميا وزارات وتخوض انتخابات وتحصل على تمثيل برلماني متزايد. عنى كل هذا مزيدا من الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي وتسخير الموارد والمؤسسات العراقية لصالح إيران في صراعها مع الولايات المتحدة ومحاولتها المستمرة في كسر منظومة العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، فضلا عن العجز المزمن للعراق،  المنصاع للإملاءات الايرانية، عن حماية السفارة الأميركية في بغداد والجنود الأميركيين في معسكراته من قصف الفصائل المسلحة.

بعد عملية “طوفان الأقصى” والرد الإسرائيلي القوي والمتعدد الجبهات عليها ومجئ ترامب لرئاسة ثانية، تبدل التعاطي الأميركي مع العراق، بعيداً عن النهج السابق القائم على الاستثمار التعاوني الصبور، والعقيم عمليا، في حكومات عراقية متتابعة لتمكينها من الحد من النفوذ الإيراني الذي كان، في ظل هذا التعاون وبالرغم منه، يتصاعد ولا يتراجع.

تضمنت بعض علامات هذا التغيير التخلي عن هذا النهج  التعاوني لصالح ضغط مباشر كما في المطالب الأميركية بضرورة قيام العراق بتفكيك النفوذ الإيراني، والتلويح بعواقب سلبية في حال الفشل في هذه المهمة (الاتصالات الهاتفية في 2025 بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني).

ويأتي إعلان ترمب الأخير رفض التعاون  مع حكومة عراقية بقيادة المالكي تتويجاً لنهج الضغط هذا، الذي يُحَمِّل العراق تبعةَ قراراته لوحده.  وبالرغم من أن المالكي لا يزال متمسكاً بترشيحه، على أمل تراجع أميركي عن رفضه مستعينا بقنوات تواصل خلفية مع إدارة ترامب لتقديم التنازلات المطلوبة (تفكيك النفوذ الإيراني والتعاون مع سوريا الجديدة)، تدرك الطبقة السياسية العراقية أن المضي في تحدي إدارة ترمب والسماح بتشكيل حكومة جديدة يرأسها المالكي هو انتحار سياسي واقتصادي بسبب أدوات الضغط الهائلة والسهلة الاستخدام المتيسرة لهذه الادارة بازاء العراق.

أبسط تلك الأدوات هو أغلاق الحساب المصرفي في البنك الفيدرالي الأميركي في نيويورك الذي تودع فيه أموال النفط العراقية، ويحميها، وفق  قرار رئاسي أميركي صادر في 2003  يُجدد سنويا، من تطبيق أحكام تعويضات قضائية كثيرة صادرة نتيجةً احتلال العراق للكويت، إبان حكم الرئيس الأسبق صدام حسين.

ويعني إغلاق هذا الحساب المصرفي حرمان العراق من الحصول على أموال النفط الذي يبيعه في السوق العالمية، ما يؤدي إلى انهيار مالي سريع في البلد. فحسب أرقام 2025  تشكل هذه الأموال نحو 88٪ من الميزانية الاتحادية. اذا امتنعت إدارة ترامب عن اللجوء الى هذا الخيار الحاد والحاسم، فأمامها خيارات أخرى، طابعها تدريجي لكن بتأثير مشابه، مثل ايقاع عقوبات على مؤسسات وشخصيات رسمية عراقية ضالعة في دعم نفوذ إيران وكسر منظومة العقوبات الأميركية ضدها.

على الأكثر لن يصبح المالكي رئيسا للوزراء بعد تحذير ترامب، لكن يتعلق السؤال الأهم هنا بقدرة أي رئيس وزراء آخر على تحقيق الهدف الأميركي، الذي يتسق مع المصالح الوطنية العراقية، بتفكيك النفوذ الإيراني في البلد.

الطرف الأكثر قدرة على الإجابة على هذا السؤال ليس شخص رئيس الوزراء، أياً يكن، وإنما التحالف الشيعي الحاكم، الذي يستطيع وحده في حال اتفاقه على هذا الهدف، تفكيك النفوذ الإيراني عبر توفير الغطاء السياسي والدعم المؤسساتي لرئيس الوزراء المقبل للقيام بهذه المهمة.

فهل سيدفع رفض ترامب للمالكي “الاطار التنسيقي” للقيام بالشيء الصحيح أخيرا؟