![]()
هذا النص مُعاد تحريره عن حلقة من برنامج الكاتب الصحفي، إبراهيم عيسى، على منصات “الحرة” الرقمية، مع الحفاظ قدر الإمكان على حرفية الطرح كما قُدم على الشاشة.
ثمة حملات مروّعة ومنظمة بطبيعة الحال، حملات مستمرة ودؤوبة ونشيطة، تسمع خلالها طوال الوقت كلمة واحدة تتردد بإلحاح: “الديانة الإبراهيمية، الديانة الإبراهيمية”. يروج أصحاب هذه الحملات لفكرة أن هناك حرباً تُشن على الإسلام، وأن هناك سعياً لاستبدال الإسلام ذاته كدين بما يصفونه بأنه “مؤامرة كبرى وصناعة صهيونية صليبية” تسمى “الديانة الإبراهيمية”.
والحقيقة البسيطة أن أحداً لا يعرف شيئاً عن هذه “الديانة” المزعومة. كل ما في الأمر هو تشويش متعمد، وتشهير، أما الهدف النهائي فهو ضرب فكرة التعايش الحضاري بين أصحاب الأديان.
إنهم يهاجمون فكرة الحوار، ذلك الحوار الذي ينطلق من إيمان حقيقي بالتنوع والتعدد والإنسانية. هذا الحوار، بالنسبة لهم، لا ينبغي أن يستمر، ولا يجوز لأصحابه أن يرفعوا أصواتهم أو يدافعوا عنه. هؤلاء يريدون حالة دائمة من التنافر والتناحر، والاقتتال بين الأديان، حتى تكون الغلبة في النهاية للمتعصب المتطرف؛ ذلك الذي يجعل هدفه الأساسي إدانة الأديان الأخرى، والانتقاص منها، وتكفيرها، ومحاربتها، ونسفها، بل وإزالتها إن استطاع.
نحن اليوم أمام مصطلح “الديانة الإبراهيمية” والسعي لترويجه، وهو مصطلح يتردد تحديداً وعلى وجه الخصوص على ألسنة تيار الإسلام السياسي، وعلى قمته وفي قلبه جماعة الإخوان المسلمين. لماذا؟ لأن مشروعهم كله قائم على أنهم هم العصب الرئيسي للإسلام، بل إنهم الإسلام نفسه، ومن ثم يسعون لاحتكار الدين ومفهومه لحسابهم وحدهم. وأي فكرة أو رأي يخرج من دائرة مؤيديهم أو داعميهم أو مموليهم يتحول فوراً إلى فكرة مدانة ومرفوضة.
حلم السادات في سيناء
دعونا نعود معاً إلى التاريخ، وهو تاريخ ليس بعيداً، خمسون سنة فقط. كان الرئيس محمد أنور السادات، رحمه الله، من أولئك الذين أنعم الله عليهم بالخيال، وامتلاك الخيال لدى الحاكم والرئيس أمر بالغ الأهمية؛ لأنه يعني امتلاك رؤية وفكرة للمستقبل.
عندما أطلق السادات عملية السلام، ثم اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل، كان يتحدث باستمرار، إما على سبيل الأمل أو التخطيط، عن أنه سيقضي بقية حياته في سيناء. وسيناء، بطبيعة الحال، عنوان كبير جداً للأديان الثلاثة. كان يحلم بأن يتعبد في سيناء، وأن ينشئ هناك “مجمعاً للأديان” يضم الأديان الثلاثة، ويجمع المسجد الإسلامي، والمعبد اليهودي، والكنيسة المسيحية. يتلاقى أصحاب الأديان هناك، كلٌ يتعبد ربه تحت سماء سيناء.
كان هذا هو الطموح الجميل لهذا الرجل؛ أراد مكاناً رمزياً للتلاقي والحوار. فالأديان كلها ما هي إلا نسخ متعددة لدين واحد هو دين الله، ولكن بصيغ مختلفة: نسخة يهودية، ونسخة مسيحية، ونسخة إسلامية.
وحتى التعبير الشهير الذي يردده بعض الأئمة: “الدين واحد والشرائع مختلفة”، يمكننا من خلاله الحديث عن دين الله الواحد، ثم عن الشريعة اليهودية والمسيحية والإسلامية. وفي المفهوم الإسلامي نفسه، فإن الإسلام هو كل الأديان، فنبي الله إبراهيم كان مسلماً، وموسى كان مسلماً، وعيسى كان مسلماً، ومحمد كان مسلماً، والجميع مسلمون بمعنى التسليم لله.
كان هذا حلم الرئيس السادات، لكنه انتهى باغتياله. واغتيل معه هذا الحلم المثالي، الذي ربما كان حلماً أكبر من اللازم، أو متناقضاً مع جزء من تاريخ السادات نفسه. فقد كان في مرحلة ما صانعاً لظاهرة الإسلام السياسي ومتحالفاً معها، ومطلقاً لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية على بقية المجتمع حتى سادوا وأفسدوا.
وهو نفسه الذي شارك في صناعة ظاهرة المجاهدين الأفغان بالاتفاق مع أميركا والسعودية، ودعم خروج الشباب المصري إلى أفغانستان لمواجهة الإلحاد والشيوعية. لكن المفارقة أنه كان أيضاً داعية سلام، وأدرك في النهاية أنه ارتكب خطأً جسيماً وكارثياً بتحالفه مع الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي، واعترف بذلك واعتذر عنه في خطابه الأخير قبل وفاته بخمسة أيام.
بيت العائلة الإبراهيمية
مع مرور الوقت، ومع الاتفاقيات التي أُطلق عليها “اتفاقيات السلام الإبراهيمي” بين دول عربية وإسرائيل، عاد الحديث عن الحوار والتعايش بين الأديان من جديد.
كانت الإمارات العربية المتحدة صاحبة مشروع فكرة “بيت العائلة الإبراهيمية”، وجمعت بابا الفاتيكان مع شيخ الأزهر. بدا المشهد وكأننا أمام حوار أديان، يحمل قدراً كبيراً من التحضر والروحانية، ورغبة صادقة في أن يعم السلام المنطقة بعيداً عن الصراعات الدينية. فالصراعات السياسية ستظل موجودة ما دام الإنسان موجوداً، لكن الهدف هو بناء عالم يتسم بالتعايش والتحضر في العلاقة بين الأديان الثلاثة.
أنشأت الإمارات “بيت العائلة الإبراهيمية” الذي يضم مسجداً وكنيسة ومعبداً يهودياً. المفارقة أن المسجد يحمل اسم مسجد الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر، والكنيسة باسم البابا فرانسيس، والكنيس اليهودي باسم موسى بن ميمون، باعتباره أشهر يهودي عربي، وأحد أبرز فلاسفة وعلماء اليهود في التاريخ العربي.
حلم السادات القديم يتحول إلى مشروع تتبناه الإمارات. لكن فجأة، تحول بيت العائلة الإبراهيمية، وتحول الحوار الحضاري بين الأديان، وتحول لقاء البابا بإمام الأزهر إلى ما يسمونه “الديانة الإبراهيمية”. ديانة لا أحد يعرف عنها شيئا. وكل ما في الأمر مجرد خزعبلات وأوهام، الغرض منها الدعاية السياسية ليس إلا.
“الفنكوش” الإخواني
الهدف من اختراع مصطلح “الديانة الإبراهيمية” هو أولاً تحشيد تيارات الإسلام السياسي، وتأجيج تعصبها وتطرفها في مواجهة الأديان الأخرى. والمثير للدهشة هو هذا الحماس المحموم لاختراع عدو وهمي، وكأن الإسلام دين هش وضعيف يمكن أن ينهار بمجرد إطلاق اسم جديد. هل يتصور هؤلاء حقاً أن المسلمين سيتخلون فجأة عن إسلامهم لمجرد الحديث عن “دين جديد”؟ هل هذا هو رأيهم في إيمان الناس وفي دين عاش أكثر من 1500 عام؟ إنهم لا يدافعون عن الإسلام بقدر ما يكشفون عن نظرتهم المشوهة له، وعن هشاشتهم الفكرية.
ما يحدث لا يختلف عن قصة “لفنكوش” الشهيرة في فيلم عادل إمام “واحدة بواحدة”، حيث يعلن عادل إمام عن منتج جديد اسمه “الفنكوش”. منتج صُنعت له دعاية وإعلانات هائلة، ليتحول فجأة إلى حديث الناس جميعاً، رغم أن أحداً لم يكن يعرف ما هو هذا “الفنكوش”، ولا حتى عادل إمام نفسه، الذي كان يقوم بالدعاية والإعلان لهذا المنتج. “ترقبوا الفنكوش!”، “شاهدوا الفنكوش!”، ضجيج إعلامي واسع، ممثلون، إعلانات في كل مكان، وكأننا أمام منتج سيغير وجه العالم.
ثم تتصاعد المفارقة: شركات تطلب صفقات لشراء “الفنكوش”، وزبائن يقفون في انتظار “الفنكوش”، وطوابير من المهتمين والمتحمسين، بينما الحقيقة البسيطة أن “الفنكوش” نفسه غير موجود، ولا أحد يعرف ما هو.
تخيلوا أن فكرة “الديانة الإبراهيمية” لا تختلف عن ذلك على الإطلاق؛ إنها مجرد “فنكوش”، ولكن هذه المرة “فنكوش” إخواني، مع كامل الاعتذار للأستاذ عادل إمام.