![]()
الرغيف في مرمى النار: أم روابة ومعركة الإنسانية ضد مليشيات الإرهاب
كتب: الأستاذ موسى داؤد
كاتب ومحلل سياسي
في شمال كردفان حيث تختلط خرائط الجوع بمسارات النزوح، وحيث تصير الطرق بين أم روابة والرهد والأبيض شرايين نجاةٍ لملايين المدنيين، انفجرت الحقيقة العارية للحرب السودانية: ليست مواجهةً بين جيشين، بل عدوانٌ منظّم على الحياة نفسها. هناك، لم تُستهدف ثكنة ولا موقع عسكري، بل قوافل خبزٍ ودواء، وكأنّ الرسالة التي تبثها طائرات الدرون الإرهابية لمليشيات الدعم السريع تقول بوضوحٍ لا لبس فيه إن تجويع المدنيين أداةُ حربٍ لا تقل فتكاً عن الرصاص.
منذ الخامس عشر من أبريل 2023 انزلقت البلاد إلى حرب استنزافٍ فرضتها مليشيات الدعم السريع على الدولة والمجتمع معاً، حربٌ كسرت حياد الجغرافيا وحوّلت المدن إلى متاريس، فانهارت الخدمات وتبعثرت الأرواح في منافي النزوح. لكن ما جرى في أم روابة مثّل قفزةً أكثر ظلاماً: انتقال المليشيا من منازلة القوات المسلحة إلى استباحة المدنيين ومصادر بقائهم، في سلوكٍ لا يعرف من قواعد الحرب إلا وحشيتها.
الهجوم على قافلة برنامج الأغذية العالمي في محيط الله كريم والسميح والرهد وأم روابة لم يكن خطأً تقنياً ولا إصابةً عمياء، بل جريمة مدبّرة استهدفت شريان الإغاثة ذاته. القافلة كانت تحمل غذاءً لمجتمعات أنهكها الحصار والجوع، فجاءت درونات المليشيا لتحوّل أكياس القمح إلى حطام، وأمل النازحين إلى دخان. وفي السياق نفسه استُهدفت شاحنة تقل مدنيين وأخرى تحمل وقوداً، فسقط أربعة وعشرون شهيداً، بينهم ثمانية أطفال، في مشهدٍ يختصر المعنى الكامل للإرهاب حين يرتدي جناحي طائرة.
هذا الطريق الذي سالت عليه دماء الأبرياء ليس مجرد إسفلت، بل هو عقدة الوصل بين الحياة والموت في شمال كردفان. العبث به يعني خنق ملايين المدنيين الذين لا يملكون سوى هذه المسارات للوصول إلى الغذاء والدواء. ومن هنا فإن ما فعلته مليشيات الدعم السريع لا يمكن قراءته كحادثٍ عابر، بل كنمطٍ ممنهج يسعى إلى تفريغ المجال الإنساني من فاعليه، وإيصال رسالة رعبٍ مفادها أن لا حصانة حتى للشارة الزرقاء ولا قداسة حتى للطفولة.
استراتيجياً، تكشف هذه الضربات جوهر عقيدة المليشيا: تجفيف الموارد وكسر المجتمعات لفرض وقائع السيطرة. إنها سياسة الأرض المحروقة بثوبٍ تكنولوجي، تستخدم الدرون بدل المدفع، وتستهدف الرغيف بدل الثكنة، في محاولة يائسة لإخضاع الجغرافيا عبر إخضاع الإنسان. في المقابل تقف القوات المسلحة السودانية، رغم قسوة الحرب وتعقيداتها، في موقع الدفاع عن الدولة والمجتمع، تقاتل لاستعادة السيادة وحماية ما تبقى من حياة مدنية، بينما تمضي المليشيا في نهجٍ إجرامي لا يرى في المواطن سوى ورقة ضغط أو هدفاً مشروعاً. هنا تتبدّى الفوارق الأخلاقية والسياسية بجلاء: جيشٌ يقاتل لاسترداد الدولة، ومليشياٌ تقاتل بتدميرها وتجويع شعبها.
قانونياً، لا يحتاج الأمر إلى اجتهاد. فالقانون الدولي الإنساني يحرّم استهداف المدنيين والقوافل الإنسانية وأعيان الإغاثة تحريماً قاطعاً، ويصنّف أي هجومٍ متعمّد عليها جريمة حرب توجب المساءلة الفردية والقيادية. غير أن المأساة في السودان ليست نقص النصوص، بل غياب الردع، وحين يغيب الردع تتحول السماء إلى منصة قتل، ويغدو الدرون قاضياً وجلاداً في آن واحد.
الأثر الإنساني لهذه الجرائم يتجاوز عدد الضحايا إلى ما هو أخطر: شلل قدرة الوكالات الدولية على الوصول، وبثّ الرعب في قلوب السائقين والمتطوعين والأطباء، وتوسيع الفجوة بين الحاجة القصوى والقدرة الفعلية على الإغاثة. كل قافلة تُقصف تعني أياماً إضافية من الجوع، وكل شاحنة تُدمَّر تعني مرضى بلا دواء وأطفالاً بلا حليب، وكل صمتٍ دولي يعني ضوءاً أخضر لمزيد من القتل.
أم روابة اليوم ليست مدينةً منسية في أطراف الخريطة، بل ميزانٌ أخلاقي وسياسي للعالم. فإما أن تُحمى طرق الإغاثة باعتبارها خطوطاً حمراء لا تُمس، أو يتحول السودان إلى مختبرٍ مفتوح لتطبيع الجريمة ضد الإنسانية. إن ما ارتكبته مليشيات الدعم السريع هناك يفضح طبيعتها الإرهابية ويؤكد أنها لا تحارب جيشاً فحسب، بل تحارب حق الإنسان السوداني في الحياة، بينما تظل القوات المسلحة في جوهر معركتها دفاعاً عن الدولة والمجتمع في مواجهة هذا المشروع الهدّام.
في زمنٍ صار فيه الدرون أداة سياسة بقدر ما هو سلاح، يصبح الدفاع عن القوافل دفاعاً عن معنى الإنسانية ذاته. وأم روابة، بدماء أطفالها وفتات خبزها المبعثر على الإسفلت، تقول للعالم إن الحرب حين تطال الرغيف تفقد كل ادعاءٍ بالشرعية، وتتحول إلى عدوانٍ عارٍ لا يُقابل إلا بالإدانة والمساءلة والانتصار للإنسان.